Translate

samedi 20 février 2010

على دروب الايمان مع يسوع في جنوب لبنان والبقاع

يتمحور البحث حول الاجابة على السؤال التالي

ما كانت أبرز المحطات في رحلات المسيح الى جنوب لبنان والبقاع ، وما كانت الظروف والأهداف التي أحاطت بها . مقاربة يتتّبع فيها البحث المسارات التي سلكها السيد المسيح، إستناداً الى النصوص

 الكتابية البيبلية والى كتابات مؤرخين وباحثين  وتقاليد ومرويات محلية



-------------------------------------------------------------------------------------------
على دروب الإيمان مع يسوع
في جنوب لبنان والبقاع
بقلم جوزف خريش



"نحن هنا في المنطقة التي وطئتها منذ الفي سنة  قدما السيد المسيح مخلص العالم.
 يخبرنا الكتاب المقدس أن يسوع جال مبشرا في ما وراء حدود فلسطين في تلك الايام وأنه زار أيضا منطقة المدن العشر – وبالأخص صور وصيدا- مجترحا فيها المعجزات.
أيها اللبنانيون واللبنانيات إن ابن الله نفسه كان اول من بشّر أجدادكم. فإن هذا لامتياز عظيم... لا يمكننا أن ننسى أن صدى كلمات الخلاص التي نطق بها يوما في الجليل قد بلغت باكرا الى هنا ( أي بيروت).... إن كتّاب العهد القديم  غالبا ما توجهوا  في كتاباتهم نحو جبال  لبنان وحرمون الماثلة أمامهم في الأفق.فلبنان هو بلد بيبلي ..  "
 البابا يوحنا بولس الثاني أثناء زيارته التاريخية للبنان سنة   1997 ( من كتاب 32 ساعة ، ص 124)

".. إن لبنان يزخر بالمعالم الدينية وبالمزارات التاريخية والأماكن التي تكتنز قيما مقدسة لدى مسيحيي العالم أجمع،التي من شأنها أن تؤمن إليه دفقا دائما وعلى مدار السنة من الزوار الخارجيين إن أحسنت الحكومة تطويرها والترويج لها وأذكر من هذه المزارات على سبيل المثال لا الحصر،المزارات التاريخية والعجائبية للسيدة العذراءالسيدة مريم عليها السلام،التي تمثل كما تعلمون جميعا، نقطة التقاء بين الديانتين السماويتين: المسيحية والإسلام....والأهم الأهم، أن من شأن هذه السياحة،التي تثبت أبناء لبنان وبناته في أرضهم،أن تثبت أيضا لبنان الرسالة، مكانا دائما للقاء الأديان والحضارات وللحوار بينها والبحث عما يجمعها ونبذ ما يفرق بينها، على مستوى العالم، تماما كما نحن نريد للبنان أن يبقى مكانا للعيش المشترك والمناصفة الدائمة بين المسيحيين والمسلمين من أبنائه."
رئيس مجلس وزراء لبنان السيد سعد الحريري في مناسبة افطار رمضاني في قصر القريطم بتاريخ 25-8-2009

( راجع:النهار 27-8-2009، و http://www.futuremovement.org/forum/showthread.php?t=54867)

   لبنان الغنيّ بتراثه الديني والثقافي يستحق المزيد من بذل الجهود للكشف عن معالمه العديدة والمتنوعة  ، بهدف تعميق الوعى بقيمته الدينية والجضارية ، ومن ثم أيجاد السبل  الملائمة  لأحيائها واستثمارها في مشاريع ثقافية وسياحية وإنمائية تعكس صورة لبنان الرسالة  الحقيقية والثمينة ، بما يخدم الحوار  بين الاديان والحضارات ويعزز القيم الوطنية والانسانية الشاملة والسامية.
في اطار هذا المبدأ يشكل هذا البحث محاولة متواضعة لمقاربة موضوع له أهميته، في الظروف الراهنة، يتعلّق بينابيع الإيمان، فوق الأرض اللبنانية، مستفيدا في تحليله من بعض ما  انتهت اليه دراسات وابحاث واكتشفات أثرية من نتائج في العقود الماضية ، ومن تنامي الوعي  بأهمية التراث الوطني اللبناني  لدى عدد من  المؤسسات الرسمية والاهلية ، الوطنية والعالمية ..
يتمحور البحث حول الاجابة على السؤال التالي : ما كانت أبرز المحطات في رحلات المسيح الى جنوب لبنان والبقاع ، وما كانت الظروف والأهداف التي أحاطت بها . مقاربة يتتّبع فيها البحث المسارات التي سلكها السيد المسيح، إستناداً الى النصوص الكتابية البيبلية والى كتابات مؤرخين وباحثين  وتقاليد ومرويات محلية.
 يمكن حصر هذه المسارات  في المحطات والمواقع الجغرافية التالية :
1)                       بين يارون و قانا  ، طلّة اولى على ربوع لبنان ووجوه العهد القديم
2)                       بين صور والصرفند ،ايمان الكنعانية العظيم
3)                       في صيدا ، بين الانتطار والعبور الى التجلي
4)                       من صيدا الى حرمون وسفوحه ،موقع التجلي وبداية درب الصليب
5)                       على طريق موطن اقرباء يسوع  وموطن احباء الله

1)                       بين يارون و قانا  ، طلّة اولى على ربوع لبنان ووجوه العهد القديم
يشير عالم الكتاب المقدس الفرد دوران، في بداية القرن العشرين، الى ان رحلة السيد المسيح في ارض لبنان الحالية تبدأ من نقطة تقع قرب بلدة يارون، المحاذية من جانبي الحدود لمجموعة من القرى والبلدات المتعددة الأديان والمذاهب، بين مدينة صفد ومنطقة بنت جبيل، ومن بينها  بلدة الجش (جيسكالا) التي هي بحسب بعض المؤرخين (جيروم) مسقط رأس عائلة بولس الرسول، وعلى مسافة قريبة منها مدينة "قادش" القديمة (المالكية اليوم)، أولى "مدن الملجأ" التي كان يشوع بن نون (1296 ق.م ؟ )  قد دعا الى اقامتها حماية للمضطهدين في زمانه  ،الى بلدات أخرى عديدة في الجوار.
من موقعيّ يارون ومارون الراس ، حيث جرت معارك مصيرية حديثا وقديما ، يطل السائح على مواقع غنية بالذكريات البيبلية، وعلى مشاهد طبيعية جميلة، بحيث ينحدر الطريق من هناك الى واديين يؤدي كل منهما ،عبر سلسلة من المرتفعات والأودية، الى قانا وصور. ينحدر الوادي الأول غربا بإتجاه عين ابل ورميش ودبل والقوزح، ليصعد الى ياطر وكفرا وصديقين فقانا. أما الوادي الثاني فينعطف شمالاً من يارون الى عين ابل وبنت جبيل وكونين وبيت ياحون وتبنين وحريص، وقد يمّر ايضاً في دير انطار.
في قانا تشير المكتشفات الأثرية الى معالم يثبت عدد من علماء الكتاب المقدس، أنها هي قانا الجليل اللبناني حيث حوّل السيد المسيح الماء الى خمر أثناء عرس كانت السيدة العذراء مريم حاضرة فيه مع عدد من التلاميذ (يوحنا 3/1-10) بينهم سمعان القانوني ، نسبة الى قانا (؟).

في جوار تبنين حيث تقع قلعة صليبية تضم بين أسوارها كنيسة على اسم السيدة العذراء مريم، ينقل التقليد ان السيد المسيح وقف عند تلة مطلة على منظر جميل يشمل جبل حرمون شرقاً ومدينة صور غرباً، متأملاً في أمجاد ماضيها ومصيرها  كما سبق وتأمل النبي حزقيال وتنبأ لمدينة صور  بالخراب بسبب خطاياها (حز 27 و 28).
عند ذلك الموقع ، الذي قد يكون دير انطار ، قرب قرية "السلطانية" (التي اكتسبت اسمها الجديد منذ سنوات بعدما كانت تحمل اسم "اليهودية ") ، يمتد مشهد بانورامي جميل يضم في لوحة واحدة شبه جزيرة صور العائمة كصخرة على وجه المياه في البحر المتوسط  غربا ، من جهة ،  وجبل حرمون المنتصب شرقا مكلللا بالثلج على مدار الفصول الاربعة ،من جهة أخرى. تشير المرويات والتقاليد ( راجع الاب ضو ) الى وقفة وقفها المسيح هناك متأملا في ماضي صور وفي جذوره البشرية فيها، وهو "الكلمة  الذي صار بشرا". جذور تصله بجدّه العشرين "يورام" (متى 1\8) زوج عتليا الحفيدة المشتركة لكل من الملك العبري أخاب ( 874-853) والملك الصوري ايتوبعل الاول من خلال ابنته ايزابيل زوجة أخاب (1ملوك 16/31). الملكة  ابنة صور هذه والجدّة العليا ليسوع كانت قد انتهجت سياسة لم تخلٌ من تعصب قومي وديني عندما حاولت في القرن التاسع قبل الميلاد أن تفرض  على الشعب اليهودي طقوسا وعبادات فينيقية وثنية ، مما ادى الى نشوب ثورة بقيادة النبي ايليا  الجلعادي التشيبي (3 ملوك 17\1)  فقتلها متحمسون من أنصاره داخل الهيكل صونا لديانة الاله الواحد في وجه آلهة البعل (بعاليم) .  

يشير النص الانجيلي ان السيد المسيح كان عندما يتجول في أرض الوثنيين لم يكن يسلك طرقا مألوفة بل يتجول  متخفياً اكثر الاحيان عن الانظار (مرقس 7/24). إلا ان اسمه وعجائبه التي كانت تسبقه وتذيع صيته في كل مكان من المنطقة  لم تكن لتتيح له الاحتجاب عن أنظار الجموع التي يقول عنها النص الانجيلي  انها كانت تتقاطر اليه طلباً للشفاء والاستماع الى أقواله ،آتية اليه من كل مناطق  فلسطين وسوريا وخصوصا " من حول صور وصيدا" (مرقس 3/8، لوقا 6/17). وبعبارة " رحل الى جهات صور وصيدا "  (متى 15/21) يشير الرسول متى  الى اكثر من رحلة واحدة قام بها السيد المسيح متجولاً ومتوغلاً، للإختلاء في الجليل الاعلى ولبنان والتأمل مع عدد من تلاميذه المختارين ، تخفّياً من مطاردة اعدائه له، وخاصة بعد مقتل يوحنا المعمدان.

تشكل قانا محطة رئيسة على طريق يسوع داخل جليل الامم ، كما تشكل محطة اولى في إعلان رسالته العالمية ومجده أمام الناس ، من خلال معجزة تحويل الماء الى خمر في " عرس قانا الجليل " .وقانا ، بعد شهادة كل من مؤرخ الكنيسة الاول اوسابيوس القيصري 265-340) والقديس جيروم من القرن الخامس  وفرنشيسكو سوريانو حارس الاراضي المقدسة في القرن الخامس عشر والبطريرك مكسيموس الخامس حكيم  هي  "قانا واحدة وهي الان في لبنان" (م.ب. رونكاليا ، "على خطى بسوع المسيح في فينيقيا- لبنان" 2007، ص 134). تستحق قانا  الجليل اللبنانية  هذه وقفة طويلة ومعمقة لا من السياحة الدينية فقط  بل من التاريخ الديني والثقافي بصورة عامة. فمعالمها ناطقة بأحداث منقوشة على صخور وادي عاشور وأجرانها ومغارتها التي تذكّر بقانا العرس الانجيلي، وبقانا "مدينة الملجأ" حيث كان المسيحيون الأولون يتوارون عن الأنظار هرباً من ألإضطهاد، غداة استشهاد اسطفانس طليعة الشهداء عام 34 وفق ما جاء في  كتاب  أعمال الرسل "أما الذين تشتتوا من جراء الضيق الذي حصل بسبب اسطفانوس فاجتازوا الى فينيقية" ،الى الفترات الحرجة من الحرب الرومانية اليهودية والحملات التي شنتها عليهم السلطة الرومانية خلال القرون الثلاثة  الاولى بعد اعلان البشارة على الاقل.
في كتابه الموثق اثبت الباحث الايطالي مرتينيانو رونكاليا هذه الوقائع، ومن بينها ان يسوع زار قانا مرتين : الأولى في اذار عام 28 حين اجترح معجزته الأولى، والثانية في آب من السنة نفسها حين شفى ابن احد الضباط الرومان وآمن به الرسول نتنائيل. ان كتاب رونكاليا الغنيّ بالمعلومات التي يقدمها عن علاقة قانا وجنوب لبنان بالكتاب المقدس تستحق وقفة طويلة عندها ، لأنها تسلط الضؤ على احداث تستندالى  مصادر معرفية لا تعرف عنها الثقافة اللبنانية الحالية إلا النذر القليل.

2)      بين صور والصرفند ،ايمان الكنعانية العظيم:
لا تؤكد النصوص الكتابية ان السيد المسيح دخل مدينة صور بالدرجة عينها من تأكيد دخوله مدينة صيدا : " ثم مضى من هناك وذهب الى نواحي صور وصيدا فدخل بيتاً" (مرقس 7/24) أو " ثم خرج من تخوم صور ومرّ في صيدا " (مرقص 7/31). غير ان هناك اكثر من تقليد متوارث اثبتته كتابات المؤرخين الاولين ، مثل اوسابيوس القيصري والقديس جيروم وغيرهما، مفاده ان السيد المسيح استراح عند " رأس العين " بقرب مدينة صور وتناول طعاماً عند ذلك الينبوع وشرب منه. وعند احدى بوابات صور كان المسيحيون الاولون ، الى العهد الصليبي، يكرمون صخرة كان يقف السيد المسيح فوقها ليعلّم الناس. (لبنان في حياة المسيح، بطرس ضو، 1980، ص 6-265).
عند مشارف صور او قريبا من الصرفند ، وقد يكون الموقع الملوّح اليه هو عدلون، شفى السيد المسيح ابنة المرأة الكنعانية او السيروفينيقية، الناطقة باليونانية للدلالة على وثنيتها من جهة وعلى  انتمائها الفينيقي الصوري تمييزا له عن الفينيقي القرطاجي- من جهة اخرى-  بالنسبة لذوي الثقافة الرومانية اليونانية  ( متى15/21 –28 ومرقس 7\24-30) . كانت تلك السيدة قد سمعت ان السيد المسيح دخل هناك بيتاً، فجاءت مسرعة تستغيث به طالبة الشفاء لأبنتها. أمام اصرارها تعجّب يسوع من ايمانها فقال لها :" ما اعظم ايمانك ايتها المرأة، فليكن لك ما تريدين " (مرقس 7/21 – 28). ذٌكر في كتابات القرن الثالث ان تلك المرأة كان اسمها يوستا، اي عادلة أو عدلاء، واسم ابنتها بيرينيق  ( في الميامر المنسوبة الى القديس كليميس).
في طريقه من صور الى صيدا، مرّ السيد المسيح في الصرفند، (وهي " صارفة صيدا" وتعني مصهر الزجاج) ورد اسمها في مواعظ المعلم الالهي  اكثر من مرة في معرض ذكره للعلاقة بين  النبي ايليا وأهل الصرفند، ومعربا عن تقديره لإيمان اهل صيدا وصور ومشيدا بايمانهم عندما قال : " ان صور وصيدا تكون لهما حالة اكثر إحتمالا يوم الدين" ، مقارنة بحال بعض المدن اليهودية التي كانت قد عاينت الآيات وسمعتها ولكهنا لم تؤمن كما آمن اهل صور وصيدا (لوقا 10/13 – 14).
في عظة اخرى القاها السيد المسيح في الناصرة، ذكر أيضا  " صارفة صيدا "، مشيداً بإيمان اهلها ايضا : "ارامل كثيرات كنّا في اسرائيل في ايام ايليا حين حدث جوع عظيم... ولم يبعث ايليا الى واحدة منهن الا الى صارفة صيدا، الى امرأة ارملة "(لوقا 4/5 -26) انقذها ايليا وعائلتها من الجوع (3 ملوك 17/8 – 24). يومها تفوّهت الأم اللبنانية بكلام عبّر عن ايمان عظيم بآيات النبي إيليا، وماثل الى حد بعيد الكلام الذي نطقت به بعدها بحوالي ثمانية قرون ابنة وطنها يوستا (عادلة) الكنعانية السيروفينيقية، معلنة هي ايضا عن "ايمانها العظيم" : " الآن علمت انك رجل الله حقاً وان كلام الرب في فيك حقا" (3 ملوك 17\24).
جدير بالذكر ان التقاليد المسيحية  (والاسلامية من بعدها عبر العصور) ذكرت ايليا النبي، فشيدت في الصرفند  كنيسة تخلد ذكرى اقامة ايليا فيها واحسانه الى اهلها. وفي مدينة الصرفند لا يزال يوجد حتى اليوم مقام على اسم "الخضر"، وهو عبارة عن مزار يقصده الحجاج من مختلف المذاهب. يشير المؤرخون اليه على انه المكان الذي كان يقع فيه بيت الأرملة التي زارها النبي ايليا وشفى ابنها. (لبنان في حياة المسيح، بطرس ضو، 1980، ص 268).

3 – في صيدا ومغدوشة سيدة المنطرة وجوارها ، بين الانتطار والعبور الى التجلي:
   إن مرور السيد المسيح ورسله في صيدا ثابت في النص الانجيلي بصورة صريحة : " ثم خرج من تخوم صور ومر في صيدا " ( مرقس 7/31 ومتى 15/21 – 29 ). وكذلك يثبت النص المقدس إقامة بولس الرسول في كل من صور وصيدا بضعة أيام : " مكثنا هناك سبعة ايام " ( أعمال الرسل 21/4 ) و " أقبلنا الى صيدا فعامل يوليوس (الضابط الروماني) بولس بالرفق وأذن له ان يذهب الى اصدقائه (الصيداويين) ليحصل على عناية منهم " ( أعمال الرسل 27/3 )
الى ذلك هناك تقليد قديم اشارت اليه القديسة ميلاني من اواسط القرن الرابع ( 343-410 ) بقولها انها رأت في صيدا بيت المرأة الكنعانية التي شفى السيد المسيح ابنتها. وقد تحول هذا البيت، مع الزمن، الى كنيسة مكرّسة على اسم القديس الشهيد فوقا من بداية القرن الرابع ( 303 ) ، ( راجع حياة المسيح في لبنان ، بطرس ضو، ص 265)
في العهد الصليبي كان التقليد لا يزال يشير الى وجود حجر مرصوف في حنية كنيسة دأب المؤمنون على تكريمه، اعتقاداً منهم ان السيد المسيح كان يجلس عليه عندما كان يعلم الناس في صيدا عند تردده اليها. (المرجع نفسه، ص 268 )
تناقل الحجاج على مدى الحقب التاريخية الذكريات ومشاهد المعالم المتعلقة بزيارة السيد المسيح الى صيدا. ففي القرن السابع عشر يذكر احد الحجاج الأوروبيين، لدى مروره فيها انه زار كنيسة المرأة الكنعانية في حي " الكنان" ، " تحريفاً ربما لاسم "كنعان"، في إشارة الى الكنعانية". وكانت الكنيسة تقع قرب ما اصبح لاحقاً كنيسة مار نقولا الصغيرة وكاتدرائية الروم الكاثوليك. (راجع مقام سيدة المنطرة، الأرشمندريت سابا داغر، ص 13 سنة 2003). هذه الكنيسة هي اليوم موضع اهتمام من السياحة اللبنانية والمهتمين بالتراث اللبناني لتتحول الى متحف للإيقونات.
اليوم يرتفع فوق تلة مغدوشة الواقعة على مقربة من مدخل صيدا الجنوبي مقام عظيم يحمل اسم " سيدة المنطرة"، إحياءً لذكرى زيارة السيد المسيح وامه السيدة مريم العذراء وعدد من تلاميذه الى صيدا وجوارها. وقد سمي المقام ب " سيدة المنطرة" ( من الجذر اللغوي الارامي "نطر" ويعني انتظر راقب وتأمل )، لأن السيدة العذراء والنساء المرافقات لها "إنتظرن" فوق التلة خارج المدينة عودة السيد المسيح ، وذلك جريا على عادة كانت تحرّم على النساء اليهوديات دخول المدن الوثنية ،كما تردد منذ القديم.
مقام " سيدة المنطرة" يعود تأسيسه الى القرن الرابع، الى مناسبة زيارة قامت بها القديسة هيلانة والدة الأمبراطور قسطنطين الأول، بعد رفع الإضطهاد عن المسيحيين وإقرار صيغة جديدة من الحرية الدينية في جميع أقاليم الأمبراطورية عام 313. في تلك الحقبة قامت القديسة هيلانة بعدة مشاريع عمرانية منها تشييد كنيستي القيامة والمهد في الأراضي المقدسة، و الإهتمام بترميم مقامات عديدة اخرى في المنطقة منها على سبيل الذكر لا الحصر كاتدرائية صور التي هدمت اثناء موجة الاضهاد الديوقلايسياني وكانت اعظم كنيسة في فينيقيا   وكنيسة "ايبلا" في البقاع وغيرهما .
بين تاريخ زيارة القديسة هيلانة الى المنطقة وتاريخ اكتشاف مغارة ايقونة " العذراء حاملة الطفل"عن طريق الصدفة على يد احد الرعيان مرحلة طويلة من الزمن   (من  313 حوالي الى 1721). يروى ان الايقونة كانت هدية من والدة الامبراطور الى أبناء المنطقة. وتزامن اكتشاف المغارة مع قيام حالة من الصحوة  داخل الكنائس الشرقية بصورة عامة نجمت عن العلاقات الجديدة بين امارة لبنان  في ظل الحكم العثماني وبعض الدول الغربية ، ولا سيما منها فرنسا وايطاليا ،وخصوصا الفاتيكان.علاقات ادت بفضل سياسة الامراءالمعنيين والشهابيين المنفتحة عل المسيحية والكثلكة بخاصة، الى تأسيس جمعية الاباء المخلصيين التي منها انطلقت  سلسلة من بطاركة الروم الكاثوليك المتحدين مع روما ( 1724). فبفضل هؤلاء الرعاة الجدد ورعايتهم الحكيمة تطور مقام "سيدة المنطرة " من مزار وضيع في مظهره والمساحة الصغيرة التي كان يشغلها الى مزار واسع تجاوز صيته الرقعة المحلية الى العالمية .فهو يشمل حاليا ، فضلا عن المغارة الاثرية، بازيليك تتسع لحوالي الف مقعد ، وبرجا يرتفع الى علو 28 مترا يحمل في اعلاة تمثالا للسيدة العذراء طوله 8 أمتار .ويماثل بجماله واشعاعه الديني  مقام سيدة لبنان في حريصا.(راجع : مقام سيدة المنطرة ، الارشمندريت سابا داغر طبعة 2003)
4 – من صيدا الى حرمون وسفوحه (المدن العشر او الديكابول) موقع التجلي وبداية درب الصليب
حول وجهة مسارالطريق التي سلكها السيد المسيح بعد مغادرته صيدا اقترح الباحثون اكثر من احتمال واحد. يوحي النص الانجيلي الذي يؤكد  : " ثم خرج من تخوم صور ومر في صيدا وجاء فيما بين تخوم المدن العشر الى بحر الجليل" ( مرقس 7\13) بأن السيد المسيح عرّج  من صيدا الى الجهة اليمنى الشرقية نحو بلاد الجولان ، قاطعا مناطق المدن العشر،ليعود منها الى طبريا، حيث كان مركز رسالته ونشاطه التبشيري.ولكن يرى المؤرخ الاب بطرس ضو  ان " المسيح اجتاز الجبل اللبناني من صيدا حتى مشغرة في سهل البقاع مرورا بجزين.واجتاز لبنان الشرقي من سهل البقاع حتى ميسلون ودمشق" .(لبنان في حياة المسيح ص 275-276) .، فيما يستبعد الباحث واستاذ تاريخ الكتاب المقدس الاب ميشال دوران  يكون المسيح قد وصل الى المسيح الى دمشق، كما يتبين من الرسم المثبت في هذا البحث.
ولكن  أيا كانت الاراء حول  مسارات رحلة المسيح من صيدا الى حرمون والعودة منها الى طبريا يبقى هناك ثلاث محطات رئيسة لا يمكن تجاهلها:  قيصرية فيليبس ، بانياس – حرمون – قسم من البقاع، ابيلينه او "ايبلا".
-          في قيصرية فيليبس وقراها، اعلان تأسيس الكنيسة على صخرة بطرس
يذكر النص الإنجيلي ان السيد المسيح " لما جاء الى نواحي قيصرية فيليبس  سأل تلاميذه :"من تقول الناس ان ابن البشر هو " (متى 16/17). وفي مكان آخر : " ثم خرج يسوع وتلاميذه الى قرى قيصرية فيليبس ..." (مرقس 8/27)،  لذلك يجمع الباحثون على ان قيصرية فيليبس ما هي الا مدينة بانياس الجنوبية التي تقع اليوم في الأراضي السورية وعلى مسافة 18 كم شرقا من مرجعيون اللبنانية. كانت بانياس تشكل حتى الماضي القريب جزءا من أبرشية صور- لبنان. وقد سميت هكذا تمييزاً لها عن قيصرية الساحل. كان يحكمها في زمن المسيح فيليبس اصغر ابناء هيرودس وله فيها قصر جميل أبيض. صنّفها الرومان في عداد "المدن الملجأ" التي كان يمنح فيها الملاحقون امام وجه العدالة والمضطهدون حق الحماية. لذلك لم يكن مستغرباً ان يقصدها السيد المسيح مع عدد من تلاميذه المختارين بهدف الإختلاء في طبيعتها البعيدة عن أنظار الأعداء، وحيث يقيم اصدقاء له منهم "المرأة النازفة" التي كان قد شفاها من مرضها في كفرناحوم (متى 9/20 – مرقس 5/25 – ولوقا 8/40)، كما اثبت ذلك المؤرخ الكنسي اوسابيوس القيصري من القرن الرابع (تاريخ الكنيسة، ك7 ف 17 )، ذاكراً ان تلك المرأة ، تعبيراً منها عن شكرها للسيد المسيح، اقامت له في بستانها تمثالاً ظل قائماً حتى القرن الرابع قبل ان يهدمه الأمبراطور جوليانوس الجاحد.(راجع بطرس ضو المرجع نفسه ص 377)
في بانياس القريبة من منطقة الينابيع التي تستقي مياهها من جبل حرمون وتغذي نهر الأردن، يوجد مغارة تعرف منذ القديم بإسم " بانيون" او بان ، اله المراعي والقطعان في المعتقدات الوثنية. كانت تلك المغارة تشكل - حسب التقليد العبري-  إحدى " عيون الغمر " التي خرجت منها مياه الطوفان. (سفر التكوين 7/11)
المكان مؤات جداً للإختلاء والصلاة على إنفراد والتأمل  (لوقا 9/18) والحوار مع التلاميذ في أعمق المواضيع وأهمها:التكوين ، البشارة ،الفداء ، تأسيس الكنيسة وعالميتها ومستقبلها.  وقد تكون أجواء المكان الطبيعية والظروف التي تحيط بالحادثة ملائِما لترنيم صلاة داوود : "لماذا تكتئبين يا نفسي وتقلقين فيّ ... الهي اذكرك من ارض الأردن وجبال حرمون، من جبل مصعر، غمر ينادي غمراً على صوت شلالاتك، جميع تياراتك وامواجك قد جازت علي..." (مزمور 41 )، وأيضاً : " انت خلقت الشمال والجنوب، لإسمك يرنم طابور وحرمون" (مزمور 88/13).
 في هذا الجو الطبيعي والنفسي سأل السيد المسيح تلاميذه : " من يقول الناس ان ابن البشر هو؟" .أجاب بطرس : "انت ابن الله الحي". أجابه يسوع بعبارته التأسيسية: "أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها... وسأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات..." (متى 16/18 – 19).عمد يسوع في كلامه الى اللعب على لفظة "صخرة" التي ترجمتها باللاتينية  بطرس Petrus  وبالارامية "كيفا " الاسم البلدي والحقيقي لعميد الرسل.
جبل حرمون يعني الجبل المقدس ( من حرم) . لكن صفة القداسة او الحرمة هذه  لا تنسحب على جبل حرمون وحده بل تشمل "جبل لبنان" كله بما فيه السلسلتان الغربية والشرقية. هذا ما تؤكده نصوص الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد، وما أعاده الى أذهان اللبنانيين والعالم  منذ سنوات قليلة   قداسة البابا يوحنا بولس الثاني عندما زار لبنان (10 ايار 1997) بقوله : " لبنان هو ارض مقدسة وارض قداسة وقديسين". هذا الوصف لا ينحصر في التراث المسيحي وحده بل يمتد الى التراث الإسلامي أيضاً ، حيث نجد في حديث شريف عن ابراهيم ابي المؤمنين أنه " صعد الى جبل لبنان. فقيل له: انظر فما ادرك بصرك فهو مقدس " .(راجع : المسيح عاش ايضا في لبنان، مي والفرد المر، 2005 ص 238)

موقع التجلي وبداية درب الصليب
بصرف النظر عن مسألة أي طريق سلك السيد المسيح في رحلته من صيدا الى حرمون، يشير النص الإنجيلي الى ان المسيح وتلاميذه المرافقين له امضوا ستة ايام في الطريق قبل الوصول الى جبل التجلي ( حسب متى ومرقس) او ثمانية ايام (حسب لوقا) ، بعد توقفهم في قيصرية فيليبس. اختلف الباحثون  في أي هو جبل التجلي .فمنهم من جعلوه في "طابور" الذي لا يتجاوز ارتفاعه  ال 655 متر في الجليل الادنى ، ومنهم من رجّح جبل الارز في شمال لبنان على غيره ( الاب بطرس ضو ) ، فيما يميل باحثون معاصرون آخرون    ( مارتينيانو رونكاليا والقس غسان خلف في كتابه  "لبنان في الكتاب المقدس"،1985)  الى ترجيح جبل حرمون ليكون هو جبل التجلي لا غيره . ومنهم من يرى ان التجلي لا ينحصر في تجل واحد بل هناك تجليات. من الشواهد التي ترجح ان التجلي الرئيسي قد حصل في حرمون لا في موقعٍ آخر  ان المسيح قد اتخذ من قيصرية فيليبس نقطة انطلاقه نحو جبل حرمون جيث جرى التجلي  ، وأن الأوصاف والقرائن (الجبل العالي والمقدس في متى 17 و2 بطرس 1\16-18) الواردة في الإنجيل عن هذا الجبل تنطبق على حرمون أكثر مما تنطبق على سواه:"وبعد ستة أيام اخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه فأصعدهم الى جبل عالٍ على إنفراد وتجلى قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالثلج" (متى 7/1 – 26).
كان التجلي مقدمة للدخول في مرحلة جديدة وأخيرة من حياة السيد المسيح على الأرض، مرحلة الآلام التي سيتحملها لدى عودته الى الجليل الأدنى وأورشليم. "وفيما هم نازلون من الجبل اوصاهم يسوع قائلاً لا تعلموا احداً بالرؤيا حتى يقوم ابن البشر من الأموات" (متى 7/9). بهذا تنبأ أنه سيتألم على أيدي الكتبة والفريسيين بتواطؤ السلطات الرومانية الحاكمة معهم ، كما تألم قبله أيليا وقتل يوحنا المعمدان بأمر من هيرودس " الذي كان قد أرسل الى يوحنا  من أمسكه وأوثقه في السجن من أجل هيروديا امرأة أخيه فيليبس حاكم المكان . فكان يوحنا يقول لهيرودس: "لا يحل لك  أن تأخذ امرأة أخيك"، وكانت هيروديا ناقمة عليه تريد قتله" . في تلك الاجواء  كان يسوع  يعرف أن  " هكذا ابن البشر مزمع ان يتألم منهم" (متى 17/12)
بقي جبل حرمون حتى القرن الرابع موقعاً حافلاً بهياكل وثنية متجاورة مع الأديار المسيحية، تقصدها جماهير الحجاج لإقامة الإحتفالات والمواسم الدينية على أنواعها وخاصة في ايام الصيف (6 آب) (راجع بطرس ضو ، ص 410). في القرن الرابع كتب احد أباء الكنيسة، القديس جيروم،رسالة  الى "عذارى جبل حرمون"   (Aux vierges de la montagne D’Hermon)  يعرب فيها  لهن عن عاطفته مشيرا الى حالته النسكية في البرية ، مذكراً ببعض تعاليم المسيح في محبة الضعفاء والخطأة ،ومشيدا بفضائل خادمات الله ، ومما  جاء فيها بالترجمة الفرنسية :
“La brièveté de ma lettre est preuve  de ma solitude…Au reste je vous prie de pardonner a ma douleur. Je vous le dis , les larmes aux yeux, j’en suis véritablement  touché .Apres vous avoir écrit tant de fois, vous n’avez pas seulement daigné me répondre un seul mot. Je sais que  les ténèbres ne peuvent s’allier avec la lumières « , et qu’un pécheur comme moi est indigne d’avoir part a l’amitié des servantes de Dieu, mais je sais aussi qu’une femme de mauvaise vie lava de ses larmes les pieds du Seigneur, que les chiens mangent les miettes qui tombent de la table de leurs maitres…. ».Celui a qui on remet davantage aime aussi davantage     « .Les anges oubliant  tout le troupeau ne se réjouissent dans le ciel que du salut d’un brebis malade. Si quelqu’un veut condamner cette conduite , le Seigneur lui dira ; » Mon ami , si je suis bon, pourquoi votre œil est-il malade ? »
(cf : Correspondance de Saint Jérôme sur :
تجدر الإشارة الى ان تلك المنطقة المنفردة الواقعة جنوب وشرق حرمون بما فيها أجزاء من لبنان وسوريا و الأردن، شكلت في القرون المسيحية الأولى وبخاصة إبان الحرب اليهودية الرومانية، "مراكز لجوء" إتقاء من أخطار الحرب والمطاردة. في هذا الصدد يذكر العالم الفرنسي ارنست رينان في مقدمة كتابه "حياة يسوع" والذي تمّ تأليف قسم كبير منه في لبنان بين غزير وجبيل وعين إبل ان بعض اقرباء يسوع كانوا لا يزالون يقيمون في المناطق الواقعة شمالي شرقي فلسطين حيث حافظ التراث الجليلي على خطه أكثر من اي مذهب آخر، وان الانجيل برواية متى، قد تمت كتابته  في المناطق المشار اليها.
(Ernest Renan , Vie de Jésus, introduction ,note 27 sur: 
يذكر الأب بطرس ضو في هذا الصدد نقلاً عن جوليانوس الأفريقي من كتّاب ودبلوماسيي القرن الثاني الميلادي ان جماعة لها صلة قربى بعائلة المسيح كانت تعيش هناك. ويعتقد الأب ضو ان إقامة هؤلاء الأقارب كانت في بلدة كوكبا اللبنانية الواقعة في قضاء حاصبيا (لبنان في حياة المسيح، 1980 ، ص 331.وتاريخ سوريا للمطران يوسف الدبس ،ج4 ص 38-40( و(Dict.de la Bible ,Supplement ,t.vi,Paris1960,col 332)
5- على طريق الآباء الأولين ، موطن أقرباء يسوع واحباء الله
اذا كان الأب بطرس ضو يرى ان التجلي أو أقله التجلي الرئيسي للرب قد جرى في جبل الأرز وذلك لإعتبارات عدة يفندها منها ان صفة الجبل المقدس التي ترد في شهادة القديس بطرس (2 بطرس 1/16-18) تنطبق  على جبل لبنان وحده ، فإنه يرى من جهة اخرى ان اللقب الابرز الذي يطلق على حرمون انما هو " بعل حرمون" (قضاة 3/3) ولكن بواسطة التجلي تحقق في المسيح ، في كل حال، وصف سفر الأناشيد عن كل لبنان  : " طلعته كلبنان وهو مختار كالأرز" (نشيد الأناشيد 5/15)، كما يصف الشاعر البيبلي " عروسه طالعة من لبنان  بانفها الشامخ "كبرج لبنان الناظر الى دمشق" ( نشيد الاناشيد 7\4). في هذه الصورة يقول غسان خلف:" لبنان في هذه القرينة ما هو الا حرمون الذي منه يمكن للناظر رؤية مدينة دمشق " .(لبنان في الكتاب المقدس ، ص 271)
-          والسؤال الأخير حول المحطات التالية من رحلة المسيح الى لبنان : هل قصد البقاع وأجزاء اخرى من جنوب لبنان ؟
يستنتج من الآية التي جاء فيها : "ثم خرج من تخوم صور ومرّ في صيدا وجاء فيما بين تخوم المدن العشر الى بحر الجليل" (مرقس 7/31)، ان السيد المسيح صعد من صيدا بإتجاه الشرق مباشرة او الى الشمالي الشرقي التفافا حول حرمون باتجاه دمشق ، ليصل في كل من المسارين الى بحيرة طبريا عبر المدن العشر ومن بينها قيصرية فيليبس وأبيلا (وادي سوق بردى) ودمشق وسواها من المدن التي يتعدى عددها العشر ليصل الى ثماني عشرة او عشرين حسب بعض الباحثين.
يمكن الاجابة على السؤال المطروح بعد معرفة  الهدف الحقيقي الذي كان حافزاً لتوجيه مسارات الرحلة. يرى عدد من الباحثين ومن بينهم الأب بطرس ضو ان "سهل البقاع ولبنان الشرقي حافلان بالتذكارات والمزارات المتعلقة بالأباء الأولين، آدم وهابيل وقايين و شيت ونوح وأولاد نوح. فهذه البقعة من الأرض التي يعتبر التقليد انها كانت جزءا من الفردوس (... ) كانت مسرحاً للوقائع التي تميزت بها حياة هؤلاء الأباء الأولين. والتقاليد المتعلقة بهذه الوقائع ومزاراتها ترقى الى اقدم العصور . وقد تناولتها الشعوب في هذا الشرق جيلاً بعد جيل. وردت في تواريخ وكتب المؤلفين العرب الذين اخذوها عن المسيحيين. وهؤلاء اخذوها عن الشعوب التي سبقتهم من عبرانيين وفينيقيين وغيرهم، ومن نصوص الكتاب المقدس والنصوص الفينيقية والتلمودية والأشورية والبابلية والمصرية وغيرها". (راجع الأب بطرس ضو ص 288 و 289 ). لذلك، وبعد الاخذ بالاعتبار لهذه الافتراضات ،لا يبدو مستبعداً ان يكون السيد المسيح قد قصد هذه المزارات العديدة ليكرم فيها أباء العهد القديم والأولياء المشهورين في كتب العهد القديم تاكيدا منه على تواصل رسالة الانبياء. " لا تظنوا اني جئت لأحل الناموس والأنبياء. ما جئت لأحل بل لأكمل" (متى 5/17)
 فكانت هذه المقامات من الأهداف الأساسية لرحلته التي قام بها بوصفه حاجاً أكثر من وصفه لاجئاً او هارباً من وجه اعدائه الذين كانوا يطاردونه في الجليل واليهودية وبعد أن جاء اكثر من صديق ينصحه   : "أخرج من هنا فإن هيرودس يريد قتلك" ، كما قتل يوحنا المعمدان (لوقا 13/31).
في سهل البقاع وجنوب لبنان تنتشر بالفعل أسماء تعود الى عدد من الانبياء والاولياء منهم : هابيل الذي تحول اسمه أحياناً الى "آبل" أو "أبيل" او "إبل". فأطلقت هذه التسمية على عدد غير قليل من المدن والقرى أو دخلت في تركيبة اسمها: آبل القمح،إبل السقي ، عين إبل ، آبل بيت معكا، آبل السوق، وهي ابيلا التي كانت عاصمة ولاية "أبيلينا" والتي كان حاكما عليها في زمن يوحنا المعمدان ليسانياس احد ابناء هيرودس كما ورد في انجيل (لوقا 3/1) .علما أن هذه الولاية كانت تمتد الى شمال لبنان وجنوبه. فلفظة "آبل" وردت حوالي إثني عشرة مرة في الكتاب المقدس، وهي كلها تشير الى معنى من المعاني المتصلة بشخصية هابيل. لذلك وبناء على ما تقدم لا يبدو مستغرباً ان يقصد المسيح هذه المواقع، تكريماً منه لذكرى الشهيد الأول للبشرية القديمة، والرمز السابق للمسيح الشهيد الأول للبشرية الجديدة.
تخليداً لذكرى هابيل، الذي تقول عنه التقاليد المختلفة انه قتل فوق جبل قاسيون في القرب من دمشق ودفن في آبيلا (عاصمة ابيلينه المذكورة في لوقا 3/1) بنت القديسة هيلانة هناك في القرن الرابع كنيسة كان لا يزال باقيا منها في القرن السابع عشر "عمودان مرتفعان على منحدر ربوة تبعد عن دمشق ستة عشر ميلاً ... على هذين العمودين حنية تجعل ما بينهما على هيئة باب، وقريباً من هناك أخربة كثيرة يستدل منها على ان القديسة هيلانة قد بنت في ذاك الموضع كنيسة تذكاراً لهابيل البار الذي دفن هناك. اما طول مدفنه فمائة وستون شبراً" كما يذكر الأب غوجون في كتابه عن رحلته في الأرض المقدسة (J.Goujon, histoire et voyage en Terre Sainte, 1668, II, p.4) (راجع ايضا الأب ضو صفحة 293)
يقول الأب ضو : "إن ذكرى هابيل وذبيحته وإستشهاده كانت في زمن المسيح تملأ سهل البقاع ولبنان الشرقي ودمشق". ومن ذلك يفترض أن :" هذا الامر كان من دواعي زياة المسيح لهذه الأماكن في رحلته" الى مناطق في لبنان. (راجع ضو صفحة 296). كان الهدف من هذه الرحلة أذن - كما أشرنا- تأكيد السيد المسيح على تواصل الرسالات السماوية.
 في البقاع مواقع اخرى عديدة تحمل أسماء الأباء الأولين، نذكر منها موقعين بإسم "النبي شيت"، الأول في رياق والآخر قرب حاصبيا وموقع في جنوب لبنان  قرب تبنين ، "برعشيت"  وتعني "أرض شيت" . من هذه المواقع  التي تحفل بها معاجم أسماء المدن والقرى والبلدات اللبنانية  أيضاً "قبر نوح" قرب زحلة و "كرك نوح" و "هِبلا" ، "وتلفظ ايضا حبلا" ،ابنة نوح . ومن اسماء الأنبياء أيضا "حام" في لبنان الشرقي، و "حول" ثاني اولاد آرام بن نوح . لعل من هذا الاسم جاء اسم بحيرة "الحولا" ، التي كانت الى زمن قريب لبنانية، و "ميشا" الإبن الرابع لآرام . من هذا الأسم جاء اسم "ميس الجبل" حسب ما يورد الأب ضو في كتابه المشار اليه (ص 319 – 224). وغيرها العديد من اسماء المواقع.
-   حديث النبي داود في من هم احباء الله المقيمين عند العيون في جبل لبنان.
-   راجع نص ابي حامد الغزالي ( المتوفي عام 1111) في موضوع المحبة والشوق في كتابه "احياء علوم الدين" في الموقع:
-   نص من التراث الاسلامي يستند الى التراث العبري ينقل فيه الغزالي حوارا بين الله والنبي داود وفيه يطلب داود :
-   "يا رب أرني أهل محبتك".فيجيبه الله : " يا داود إئت جبل لبنان، فإن فيه اربعة عشر نفسا فيهم شبان وفيهم شيوخ وفيهم كهول  .
-   إذا أتيتهم فاقرئهم مني السلام وقل لهم:ان ربكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة.فإنكم أحبائي وأصفيائي وأوليائي ،أفرح لفرحكم وأسارع الى محبتكم".فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله عز وجل....قال: فجرت الدموع على خدودهم " ( ثم يضع الغزالي على لسان كل من هؤلاء الشيوخ (اللبنانيين) عبارة واحدة ليقول فيها ماهي حاجته أذكر منها: " لا حاجة لنا في شيء من أمورنا فأدم لنا لزوم الطريق اليك واتمم بذلك المنة علينا"
-    وقال آخر :"...أمنن علينا بحسن النظر فيما بيننا وبينك".... فأوحى الله الى داود .. قل لهم قد سمعت كلامكم وأجبتكم الى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ لنفسه سربا فإني كاشف الحجاب فيما بيني وبينكم حتى تنظروا الى نوري وجلالي"...
-   فقال داود: يارب بم نالوا هذا منك ؟ قال: بحسن الظن والكف عن الدنيا واهلها والخلوات بي ومناجاتهم لي وإن هذا منزل لا يناله الا من رفض الدنيا وأهلها......واختارني على جميع خلقي ، فعند ذلك أعطف عليه ...وأريه كرامتي كل ساعة وأقربه من نور وجهي ، إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الحنون الشفيقة ولدها....اذا سمع بذكري أباهي به ملائكتي وأهل سمواتي ....يا داود لأقعدنه في الفردوس ولأشفين صدره من النظر الي حتى يرضى وفوق الرضا".
إن هذه المعاني والذكريات والصور القديمة كلها ، انما  تشكل جزءا ثميناً لا من تراث لبنان فحسب بل من تراث البشرية بكاملها.
وكم ينبغي المحافظة عليه  حيا في النفوس ، وعدم الكلل من إلقاء الضوء عليه اليوم اكثر من أي يوم آخر بعدما اصبح الوطن الصغير برقعته  لبنان  اكثر من موقع جغرافي ، بل رسالة ، كما بات القول به مأثوراً بعد البابا يوحنا بولس الثاني ، وبعد ان اصبح للبنان أيضا  اكثر من موقع عالمي على قائمة المواقع التراثية العالمية للاونيسكو: بعلبك،عنجر، وادي قاديشا ،جبيل ، صور ، وقريبا مغارة جعيتا عجيبة من عجائب الدنيا.
عسى ان يتنامى الوعي في الوجدان اللبناني باهمية هذا التراث، ومن ثم بذل كل جهد لكشفه وتخصيص ما يقتضيه من وسائل التخطيط والتنقيب وإرساء البنى السياحية، والثقافية ، وما يتطلبه دلك من مكتبات ومتاحف ومراكز ابحاث ووسائل إتصال ومواصلات، ، ورسم دروب ومسالك في الطبيعة، وتنظيم رحلات للتعرف الى جمالات البيئة اللبنانية وكنوزها الثقافية والروحية. إن مثل هذا المشروع، إذا ما أخذ على محمل من المسؤولية – كما اشار رئيس مجلس الوزراء - قد يكون له أبعاد ومردودات لا تقدر بثمن على كل الأصعدة الحضارية والدينية والإقتصادية .
إن المبادرات القليلة التي إتخذتها في هذا المجال مؤسسات رسمية وأهلية للتعرف على التراث  والبيئة والحفاظ عليها انما هي من نماذج العمل المشجع والواعد الذي من شأنه تعزيز السياحة الدينية والثقافية.هي لا تزال بحاجة الى المزيد من الوعي والإيمان المستنيرين بالحس الانساني والحضاري العميق الذي من المفترض أن تسقط معه كل المنافع والنظريات الفئوية، ليتجلّى وجه لبنان البهي والحقيقي ، كمساحة مصغرة عن عالم يمكن العيش فيه والإيمان بكل حرية ، في عصر العولمة التي تتطلب أن يكون في تطبيق مبدأ  "الوحدة في التنوع" الضمانة الحقيقية لعيش مبادىء المسيح وتحقيق الاخوة الشاملة في العائلة البشرية الواحدة.















jeudi 10 décembre 2009


http://hilda-barhoum.blogspot.com/2008/01/martiano-roncaglia-un-libanais-de-coeur.html 

Sur les pas de Jésus, le Messie, en Phénicie/Liban est l’ouvrage de maturité de Martiniano Roncaglia. Il y a mis l’essentiel d’une recherche entamée au début des années 80, à la demande du patriarche grec-catholique Maximos V Hakim. 
Pour l’orientaliste, aucun doute n’est permis : le Liban fait partie de la Terre sainte, tout comme la Palestine biblique. Les pieds du messie ont foulé la Galilée des nations (Jalil al-Oumam).
Il s’est rendu à Tyr et Sidon, à Sarepta, à Cana, ainsi que dans la Césarée de Philippe, aux pieds du mont Hermon, où pour la première fois l’apôtre Pierre a proclamé sa foi dans l’origine divine de son maître. 
Dans son ouvrage, publié en 2004 en anglais par les soins d’un éditeur qui sera également son ami, l’amiral de marine libanais Samir el-Khadem, directeur de l’Institut arabe d’études orientales et occidentales, Roncaglia déploie une érudition à toute épreuve, au service d’une tradition qui, depuis Eusèbe de Césarée, premier historien de l’Église, situe le village de Cana-de-Galilée, où Jésus a accompli son premier miracle, le changement de l’eau en vin, au voisinage de Tyr.
Roncaglia, du reste, n’était pas le premier à localiser au Liban le village de Cana cité par l’Évangile de saint Jean. Des historiens et des hommes de lettres l’avaient également affirmé, en se basant sur les mêmes documents (Youssef Hourani, Nina Jidéjian). Mais il a eu le mérite d’en faire l’exposé exhaustif et fouillé, ce qui rend plus difficile la réfutation des faits et vérités qu’il établit.

L’Église au Liban n’a pas encore pris l’entière mesure de l’importance de cette découverte historique. Elle continue de douter de la véracité des faits, les attribuant à quelque exaltation poétique infondée, en référence notamment au poète Saïd Akl, fervent partisan de la localisation en terre libanaise du Cana biblique.Pourtant, les faits sont là, clairs comme le jour, malgré les affirmations contraires, toutes hypothétiques, des archéologues et historiens étrangers, renforcées par d’évidents intérêts économiques et touristiques totalement étrangers à la vérité

Malgré un méritoire aménagement du site de Cana, le ministère du Tourisme pourrait, lui aussi, tirer de meilleures conséquences de ce que la présence de Cana au Liban signifie, sur le plan touristique et culturel. Mais sur ce dernier point, sa responsabilité n’est pas en cause, puisque la frilosité de l’Église du Liban empêche toujours ce site d’être ouvertement et généreusement mis en évidence, en particulier sur le plan religieux. Là, plus qu’ailleurs, la convivialité devrait jouer à plein pour que le village mixte de Cana soit désigné comme haut lieu de pèlerinage chrétien, aussi bien pour nous autres Libanais que pour le tourisme religieux étranger. Tout le monde y gagnerait, que ce soit sur un tableau ou sur l’autre. Il faut dire aussi que la guerre et les crises politiques au Liban n’ont pas beaucoup aidé à l’épanouissement du tourisme, qui est aujourd’hui, d’un certain point de vue, une industrie comme une autre.

Archéologie évangélique
Le cas de Cana, pour être emblématique du sous-développement culturel et archéologique dont souffre le Liban, n’est pas le seul fait à pouvoir être cité. 

L’ouvrage de Roncaglia nous introduit à une véritable « archéologie évangélique » et nous révèle des pans entiers de présence culturelle « phénicienne » indissociablement mêlée au quotidien du Jésus de l’histoire. Grâce à cette archéologie, nous suivons Marie et Joseph, puis Jésus adulte, dans le temple ; nous voyons le Christ déposant dans le trésor de la monnaie frappée à Tyr ; on nous rappelle que ce sont des artisans envoyés par le roi Hiram de Tyr qui ont construit le temple, avec du bois de cèdre généreusement acheminé du Mont-Liban ; on suit encore Jésus marchant sur les routes de Tyr, Sarepta (Sarafand) – où le prophète Élie l’avait précédé – et Sidon, gravissant la haute montagne de l’Hermon, site probable de la Transfiguration, fuyant les questions pièges des Pharisiens et prenant quelques jours de repos dans la Césarée de Philippe, non loin de Banias, des sources du Jourdain… et de Marjeyoun, où une Église dédiée à saint Pierre commémore toujours sa confession de foi.

L’ouvrage de Roncaglia est disponible dans ses versions anglaise et arabe, mais pas encore, malheureusement, en version française. 

Doit-on y voir un signe des temps ? Espérons que non, car il est souhaitable que cet ouvrage tout à fait abordable par l’amateur éclairé soit mis à la disposition des lecteurs francophones le plus vite possible.
 
Article de Fadi Noun " L'Orient Le Jour"

samedi 5 septembre 2009

Le Christ Notre Espérance: LE LIBAN DANS LA BIBLE

Le Christ Notre Espérance: LE LIBAN DANS LA BIBLE:

"Car les violences contre le Liban retomberont sur toi, Et les ravages des bêtes t'effraieront, Parce que tu as répandu le sang des hommes, Et commis des violences dans le pays, Contre la ville et tous ses habitants."

vendredi 4 septembre 2009

sur les pas de Jesus au Liban

Le Christ Notre Espérance: MARTIANO RONCAGLIA UN LIBANAIS DE COEUR:

"Sur les pas de Jésus, le Messie, en Phénicie/Liban est l’ouvrage de maturité de Martiniano Roncaglia. Il y a mis l’essentiel d’une recherche entamée au début des années 80, à la demande du patriarche grec-catholique Maximos V Hakim.
Pour l’orientaliste, aucun doute n’est permis : le Liban fait partie de la Terre sainte, tout comme la Palestine biblique. Les pieds du messie ont foulé la Galilée des nations (Jalil al-Oumam).
Il s’est rendu à Cana,Tyr, Sarepta, Sidon ainsi que dans la Césarée de Philippe, aux pieds du mont Hermon, où pour la première fois l’apôtre Pierre a proclamé sa foi dans l’origine divine de son maître.
Dans son ouvrage, publié en 2004 en anglais par les soins d’un éditeur qui sera également son ami, l’amiral de marine libanais Samir el-Khadem, directeur de l’Institut arabe d’études orientales et occidentales, Roncaglia déploie une érudition à toute épreuve, au service d’une tradition qui, depuis Eusèbe de Césarée, premier historien de l’Église, situe le village de Cana-de-Galilée, où Jésus a accompli son premier miracle, le changement de l’eau en vin, au voisinage de Tyr."

Bienvenue sur le site de L'ANTIQUITE GRECO-LATINE

Bienvenue sur le site de L'ANTIQUITE GRECO-LATINE

Flavius Josèphe, table des matières

Flavius Josèphe, table des matières

mercredi 2 septembre 2009

Aïn Ebel Festival 2009

Aïn Ebel Festival 2009: "Aïn Ebel an I, c'est bien parti. Objectifs pleinement atteints par l'association AWFA des jeunes de cette localité du Liban-Sud pour l'événement qu'ils ont organisé avec le soutien de la municipalité et des Amis de Sourat.

Une belle soirée, certes, sur la place de l'église, mais le défi relevé est la réponse à leur appel. En plus du public venu nombreux des alentours, plus de 200 Beyrouthins ont bravé le long trajet pour signifier à ces jeunes leur solidarité, le soutien à leur cause et l'engagement à leurs côtés dans ce cheminement identitaire, leur volonté de se développer et de s'enraciner à leur terre.
Un franc succès que cette première rencontre, mettant du baume au cœur de ces jeunes qui se sont démenés pour que chaque personne qui a fait le déplacement soit heureuse d'être là, de découvrir ce village du sud au passé chargé et à l'histoire intéressante. Et personne n'a été déçu. Une histoire racontée au public par Joseph Khoreich dans une conférence intitulée « Mémoire d'un village ». Un village frontalier au passé glorieux et au présent difficile dont la riche histoire remonte à des millénaires, comme en témoignent les nombreux vestiges archéologiques. Terre foulée par le Christ et ses disciples, la région a occupé les devants de la scène politique et économique jusqu'à un passé récent et qui a offert au Grand Liban ses premiers martyrs en 1920."

lundi 24 août 2009

Hauteurs du Golan, Basan de la Bible (BibléLieux.com)

Hauteurs du Golan, Basan de la Bible (BibléLieux.com): "Le mont Hermon se situe à l'extrémité sud de la chaîne de montagne de l'anti-Liban. Le plus haut sommet du Mt. Hermon atteint 2800 m (9230 pieds). En Israël, le plus haut point se situe à Mitzpe Shelagim, 'l'observatoire de neige,' à 2210 m (7295 pieds). L'emplacement est connu dans la Bible sous le nom de Ba’al Hermon, Sirion, et Sion. Psaume 133 donne une image de l'agréabilité et de la productivité de cette montagne. Il parle de l'abondance d'eau, d'un endroit recevant beaucoup de pluie. L'Hermon, en moyenne, reçoit 24 cm de précipitation par année (elle en reçu 40 cm en 1992). Il est fort possible que la transfiguration ait eu lieu quelque part sur les pentes du Mont Hermon, Jésus et ses disciples ayant été précédemment aperçus dans 'la région de Césarée de Philippe.' Césarée de Philippe se situant à la base du Mont Hermon, ce dernier pourrait ainsi être la montagne où Jésus emmena ses disciples."

lundi 3 août 2009

René Naba. Le Liban en voie de désertification

René Naba. Le Liban en voie de désertification:
"Le légendaire pays des Cèdres tant célébré par la Bible serait frappé de désertification, aussi surprenant que cela puisse paraître. Les organisations écologiques libanaises (1) estiment même que la côte d’alerte a d’ores et déjà été atteinte et si la situation venait à persister, le Liban aura entièrement perdu ses forêts d’ici 15 à 20 ans. Selon leurs estimations, 35 pour cent du territoire national était couvert de forêts en 1965, contre 13 pour cent en 2007, soit une perte de près des deux tiers de la zone forestière en 42 ans"

jeudi 23 juillet 2009

Frères Des Ecoles Chrétiennes - Proche-Orient

Frères Des Ecoles Chrétiennes - Proche-Orient: "Liban : découvertes et inventions' : nouvel ouvrage du F. Ildefonse-Sarkis
------------------------------------------------------------------------
F. Ildefonse Sarkis vient de publier un nouvel ouvrage dans la série de ses oeuvres historiques sur le Liban, déjà riche de plus d'une dizaine de titres.
'Le Liban : découvertes et inventions', en édition cartonnée de 272 pages, illustrée par des planches et des photos en couleurs. L'auteur y reprend une série de 'génies' issus de la terre libanaise, depuis l'Antiquité à nos jours, et qui ont brillé dans le monde entier de la Grèce antique à la NASA actuelle.
F. Ildefonse a déjà à son actif de nombreux ouvrages sur le Liban, 'son rôle civilisateur', 'dans les écrits des Anciens', 'et les Sarcophages', '...Ancien : pouvoir et peuple', ainsi que sur les Phéniciens 'panorama d'une civilisation', '...et leur empire', Tyr, Byblos, Sidon, sans compter les ouvrages lasalliens dont le dernier en date est 'St Jean-Baptiste de la Salle pédagogue'."

mercredi 1 juillet 2009

Liban, terre biblique de la Bien-Aimée

Liban, terre biblique de la Bien-Aimée: "Marie et le Liban, deux termes que la Bible a déjà unis...



Avant d’être chrétien, le Liban est le seul pays au monde qui ait mérité par sa beauté et ses charmes de servir de terme de comparaison à la plus belle des créatures : une fois chrétien, il est devenu terre d’élection de la Vierge et le culte tout particulier qu’il n’a jamais cessé de lui offrir a été pour sa foi la meilleure sauvegarde."

jeudi 18 juin 2009

STAR OF LEBANON - Liban Bible

STAR OF LEBANON - Liban Bible: "La Phénicie était une étroite bande de terre du littoral méditerranéen resserrée entre la mer à l’ouest et les sommets du Liban à l’est, limitée au sud par le mont Carmel et au nord par la région d’Ougarit, aujourd’hui Ras Shamra, au nord de Lattaquié. Elle fut occupée de 3000 à 1300 ans av. J.-C. par des populations cananéennes, que les Grecs appelèrent Phéniciens, sans doute à cause de la pourpre (phoinos signifiant rouge sang), production caractéristique du pays, une teinture extraite du mollusque Murex trunculus. Une autre interprétation prétend que le nom Phénicien dériverait du grec phoinix, le palmier. Dans le temps ancien les Israélites appelaient la Phénicie « Canaan », qui pouvait désigner commerçants (És. 23. 1-12). La Bible mentionne que Canaan est le fils de Cham et qu’il engendra Sidon son premier né (Ge. 9. 6, 15)."

mardi 17 mars 2009

Le Liban: Notre-Dame de Mantara ou de l’Attente, Maghdouché

Le Liban: Notre-Dame de Mantara ou de l’Attente, Maghdouché: "Le sanctuaire de Notre-Dame de Mantara prend ses sources dans les Evangiles: Saint-Marc cite dans le chapitre 7, verset 24, que le Christ, ayant quitté Génésareth en Palestine, se rendit dans la région de Tyr et de Sidon (l’actuelle Saida) pour prêcher la Bonne nouvelle et guérir les malades. C’est à Sidon q’il guérit la fille de la Cananéenne"

lundi 2 mars 2009

- Lebanon news - www.elnashra.com

- Lebanon news - www.elnashra.com: "J'écris ces mots pour nos enfants et pour tous les Libanais, ici au Liban et dans le « monde Liban ». Je veux les leur offrir comme une parcelle de vérité qui, pour moi, est devenue limpide comme un cristal. Car il me semble que Dieu décida un jour de se choisir un pays sur la Terre, et qu'il souhaita"

jeudi 19 février 2009

Dossier : le Liban dans la Bible - Un écho d'Israël: "Dans la Bible, le Liban et en particulier ses cèdres symbolisent la beauté, l’abondance, la gloire, la force et l’élévation. Différents textes dénoncent le sentiment de supériorité qui émane du Liban et le conduit à la fierté et à l’arrogance, qui finalement, précipite sa chute. Ses richesses accumulées par son commerce seront réduites à néant (prophéties sur Tyr et Sidon, Éz. 27). La gloire du Liban sera abaissée jusqu’à terre, comme ses arbres, symboles de grandeur, de puissance et de magnificence (És. 10. 34 ; Jé. 22. 6)"

jeudi 12 février 2009

الموسوعة المسيحية العربية الإلكترونية

الموسوعة المسيحية العربية الإلكترون

vendredi 6 février 2009

How it all began - A concise history of Lebanon

How it all began - A concise history of Lebanon
To create a country is one thing; to create a nationality is another. In the wake of the first world war, which ended with the destruction of the German, Austro-Hungarian, Russian and Ottoman empires, it was possible for the victorious Allies to redraw the political map of much of the world. In Europe, Germany and Austria-Hungary, defeated in the war, re-emerged as the German, Austrian and Hungarian republics. Meanwhile, the Bolshevik revolution was already beginning to transform the Russian empire into the Union of Soviet Socialist Republics. From European territories formerly German, Austro-Hungarian or Russian, new European states emerged. The overseas colonies of Germany, in Africa and elsewhere, were divided between Britain and France as mandates under licence from the newly organized League of Nations.

Lebanon - Places

Lebanon - Places

The Cedars - Al Arz - Conde -Lebanon

The Cedars - Al Arz - Conde -Lebanon

The Cedars - Al Arz - Lebanon

The Cedars - Al Arz - Lebanon

mercredi 21 janvier 2009

Phoenicia, Phoenician Christians, The First Converts Outside the Jews

Phoenicia, Phoenician Christians, The First Converts Outside the Jews: "'Then Jesus went thence, and departed into the coasts of Tyre and Sidon. 22. And, behold, a woman of Canaan came out of the same coasts, and cried unto him, saying, Have mercy on me, O Lord, thou son of David; my daughter is grievously vexed with a devil. 23. But he answered her not a word. And his disciples came and besought him, saying, Send her away; for she crieth after us. 24. But he answered and said, I am not sent but unto the lost sheep of the house of Israel. 25. Then came she and worshipped him, saying, Lord, help me. 26. But he answered and said, It is not meet to take the children's bread, and to cast it to dogs. 27. And she said, Truth, Lord: yet the dogs eat of the crumbs which fall from their masters' table. 28. Then Jesus answered and said unto her, O woman, great is thy faith: be it unto thee even as thou wilt. And her daughter was made whole from that very hour. 29. And Jesus departed from thence, and came nigh unto the sea of Galilee; and went up into a mountain, and sat down there.'"

mardi 20 janvier 2009

Quand Dieu créa le monde

Quand Dieu créa le monde
Quand Dieu créa le monde, la terre et l'univers,
Il voulut faire un lieu bien extraordinaire :Une mer, un climat, un soleil éclatant,
Il fit si bien les choses qu'Il créa le Liban.
Mais quand Il aperçut un peu autour de lui
L'état de ses voisins l'Égypte et la Syrie,
J'ai été trop injuste, dit-Il, faut y remédier,
Et pour faire l'équilibre, Il créa le libanais.

تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ الفصل الثّامن عشر - Lebanon news - www

تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ الفصل الثّامن عشر - Lebanon news - www: "لقد جمَعَ الأب مارتن ثمّ الأب لامنْس وغيرُهما مراجعَ جمّة تؤكِّدُ مُكوثَ الرّسلِ أو مرورَهم في لبنان-فينيقيا، مُستَشهِدين بالبابا كْليمان، تلميذِ مار بطرس وخليفتِه، وبالسِّنكْسارات، الّتي تَروي سِيَرَ القدّيسين، وبمؤرّخين عِدّة."

تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ الفصل السابع عشر - Lebanon news - www.elnas

تاريخ لبنان عملاق ألتواريخ الفصل السابع عشر - Lebanon news - www.elnas تَهمُّنا علاقةُ يسوع بـ لبنان-فينيقيا. لنتذكّرْ قولَنا بأنّ تور الجبيليّ إدريس القرآن، وهِرمس-تْريسمِجيسْت الدُّرزيّة والنُّصَيريّة، هو، خاصّةً، اللُّوغوس المُمهِّدُ لـ المسيح، بما أنّه بَشّرَ بـ اللّه-الثّالوث: آب، وابن وروح قدس، إله محبّة، وبخُلودِ النّفس، ووَضعَ الوصايا العشَرَ الأُولى، ومقدِّمات الأسرارِ والطُّقوسِ والأعيادِ، وتنبّأ بمجيءِ مُخلّصٍ هو "ابن اللّه وإنسانٌ معًا" ("كورپّوس هرميتيكوم"، 1 و13)... وبهذا يكون المُمهِّدَ الأوّلَ والأكبرَ لـ المسيح الّذي "أتى ليُتمِّمَ لا ليَنقُض" (متّى 17:5).

jeudi 15 janvier 2009

جريدة النهار

جريدة النهارلغيابه الرايات السود! ولصورته المروج الخضر! ولقامته في العين رجل يختزن رجالاً! لكأن الكبير منصور الرحباني رحل على غفلة ممن احترفوا التمتع بطلاّته المكهربة: ألم يكن من حجر صوان ذاك الوجه المصقول في معجم الاساطير؟ وكنت ممن يحبون التعامل معه انه كأيقونة المعابد الاثرية، هنا ليبقى، ولنستمر نحن خارج الاماكن التي كان يواعدنا فيها وبعيداً من غبار الازمنة وثقوب العمر، في زيارته مرة كل عام كما هذا العام في كازينو لبنان حيث روى لنا بلباقته المحببة ومن خلال خرافة يبرع في ابتكار ركائزها "عودة الفينيق" التي تتظاهر في حكاية الماضي لتلفتنا كلبنانيين وعرب الى واقعنا ومستقبلنا.فجأة مشهد يكتمل فيّ: عاصي ومنصور معاً تحت عنوان "الاخوين رحباني"، تبعه شعور قوي باستعادة الاسطورة كل وهجها الحارق. فلبسٌ تلاشى وطروحات عمّن الافضل بينهما تبخّرت، لديّ على الاقل وموقتاً هنا. وبدا منصور لي بكل مسيرته مضغوطاً على موهبة فوّارة، مصادرا دوماً لفضاء مجازفاته ذات العصب الرحباني الصافي، بريء كمن يغرف من مقلع خام، وجريء كمن صُنع في معدن المؤسسين، ومتعدد كمن صوته يختزل شعباً و"يؤسطر" حلماً. وديع ذلك المنصور من الفنون، والمفتن عفوياً لمعظم من قارب اعماله اما مشاركة واما تذوّقاً، والمستوعب بطيبة الكبار وكرم ذوي العطاء الخصب، لكل من ادعى لرأيه ما لم يعترف به للآخرين. قلت: عاد منصور الى عاصي وعاصي الى منصور، وقدر كأنه أشعل نجمه.لا أبالغ وهذا ليس رثاء، قلمي كصوت منصور وعاصي ان قالا شعراً او تمشهدا صوَراً وألحاناً واغنيات، قلمي يرسل تحية لفنانين جعلا مع من ذابوا فيهما، الزمن الذي عبروا ايامه لبنانياً بامتياز وعربياً كما لم يألفه عالمنا العربي وانسانياً كما تُلوّن الهديات وتُركّز الانتماءات وتُنبى ذاكرة المجتمعات المخلخلة. وفيرز "الصوت المودي" الذي أُعطي له التزيّن بتلاوين لبنان بحراً وسهلاً وجبلاً. غريب هذا الثلاثي، عاصي، منصور وفيروز، فيكفي ان يطل احدهم هنا او هناك او هنالك ليحضر الاثنان الآخران من غير ان ينجح اي كان في زعزعة الصورة، حتى وان هم غرقوا في الرمال.لم اقع هنا في كلام من نوع: لا لم يمت منصور الرحباني، فامثاله لا يموتون. لكنني على يقين على طريقتي انه كلما فتحت صباحاً احدى الاذاعات اللبنانية وتصاعدت اصوات فيروز او نصري شمس الدين او هدى حداد او اي لحن من ألحان العروض المسرحية التي قالت لبنان بين 1957 ("ايام الحصاد" بعلبك) و2008 ("عودة الفينيق"، كازينو لبنان)، تكون في مخيلتي وجه من الذاكرة لرجل صنع لنا فضاءً يفرحنا، يطيّرنا، يأخذنا الى أبعد وأعمق مما حولنا، وكمن يولد من جديد مع يوم جديد...

Mansour Rahbani donne dernier acte de vie


L'article de Edgar DAVIDIAN dans l'ORIENT -LE JOUR du 14-12009

Les feux de la rampe, entre musique et verbe, l’ont rendu célèbre. Illustre représentant et symbole de la culture libanaise, Mansour Rahbani, fin poète et musicien inspiré, a donné en ce 13 janvier 2009 le dernier acte de sa vie. Son héritage est impérissable. Les foules, d’Antélias à tous les points cardinaux de la planète, vous le diront.Le public guettait ses moindres mots. La presse le redoutait ou s’en amusait. Des mots qui oscillent entre ironie, piques politiques, traits caustiques, mais aussi douceur et esprit du lyrisme du monde du Parnasse. Adulé et respecté des gens de la scène (beaucoup de vedettes lui doivent leur carrière), aussi bien que des spectateurs et de la presse, Mansour Rahbani, patriarche « verdien » en sa demeure d’Antélias, en imposait avec sa voix grave, sa gouaille entre ton populaire et érudition, son allure majestueuse, ses insoupçonnables virées du côté de la tendresse, sa mansuétude et surtout ce grain de poésie qui éclate brusquement au milieu de ses phrases comme un marron sur le feu… Terrassé par la mort à l’âge de quatre-vingt-trois ans, son verbe et sa musique n’en sont pas moins vivants. Bien vivants dans l’écrin d’un «libretto», d’une plaquette de poésie, les lignes d’une partition, les répliques d’un dialogue, le satin d’une ritournelle, la trame d’une histoire, les contours de ses personnages…Flash-back sur un profil, une carrière et un parcours exceptionnels où l’opérette libanaise a conquis, en fanfare et soyeux rubans de mélodies, dans une jouissive alliance de la musique et du verbe, les frontières du monde…Né à Antélias en 1925, Mansour Rahbani fit son éducation à l’École des sœurs de Ibrin. Entre les brumes de Bickfaya et les odoriférantes pinèdes du Mont-Liban s’est écoulée une enfance ponctuée sans doute par le rêve, mais marquée surtout par la mort un peu prématurée de son père. À dix-sept ans, l’adolescent affronte déjà les affres de la vie et ses lourdes responsabilités.Mais c’était sans compter le secours inestimable de la musique, qui garde pour tout humain de larges zones de bonheur, d’évasion…C’est avec le père Paul Achkar que le jeune homme fait ses premières gammes entre harmonies, contrepointes, orchestration et analyse. Neuf ans d’études sous la férule de Bertrand Robillard complètent cette formation de musicien. Très vite, la collaboration avec son frère Assi s’impose comme une finalité naturelle.C’est l’heureuse époque des premières émissions à la radio en 1945. Émissions charriant déjà un esprit neuf, assimilant culture traditionnelle libanaise et ouverture sur le monde de la musique occidentale. À titre de mémoire, le premier sketch s’intitulait Sabeh et Makhoul.Mais le meilleur était encore à venir avec le mariage de Assi en 1955 avec Nouhad Haddad, devenue la grande diva Fayrouz, astre de la chanson du monde arabe. Dès lors, le « trio », plébiscité par le public et gagnant tous les galons de ses faveurs, va voler de succès en succès… Le temps des récoltes est donné à Baalbeck en 1957. Tous les festivaliers, ravis et charmés par cette délicate essence entre verbe vaporeux et musique impalpable, parlent de triomphe, de nouveauté, d’un esprit unique…Plus de quarante œuvres de scènes, opérettes qui tranchent sur le monde (et mode) occidental et s’en singularisent, vont bouleverser les données des feux de la rampe en Orient.Du Piccadilly de Beyrouth à toutes les capitales du monde (Londres, Paris, Rio de Janeiro, Sao Paolo, Buenos Aires), en passant par les mégalopoles arabes (Amman, Le Caire, Damas, Bagdad, Koweït) et tout l’arrière-pays, ainsi que les pays d’Afrique du Nord, le « rêve rahbanien » voyage en toute liberté et séduction et fait des ravages et des tabacs…Conciliation d’un héritage musical mêlant le patrimoine arabe, l’art islamique, les valeurs maronites et les richesses byzantines, le monde « rahbanien » puise à plus d’une source pour ériger et cimenter ce monde de la scène bâti sur la dignité, la délicatesse, la vérité, l’amour de la terre et de l’humanité. Une trentaine de pièces en collaboration bicéphale tout en touchant au cinéma (Le vendeur de bague, Safarbarlek, La fille du gardien), sans parler des émissions de radio, voilà la création des frères Rahbani. Mais le destin a de ces détours…Assi parti en 1980, Mansour est resté seul sous la flaque de lumière…Acte jamais tiré, rideau jamais baissé, plume jamais à sec, partition aux notes de plus en plus serrées…Voilà l’auteur-compositeur, en impénitent et infatigable solitaire, à nouveau dans le dédale des productions, de plus en plus fastueuses, ambitieuses, grandioses (scéniquement), avec le clan Rahbani nouvelle vague et génération (Oussama, Marwan, Ghadi) en oubliant un peu les limites de ce village libanais mythique dans sa douceur, son hospitalité, son cadre verdoyant, ses personnages souriants ou malicieux et ses nuits étoilées avec un croissant de lune argenté… Mansour Rahbani, fidèle à sa conception de promouvoir surtout la culture arabe, a taillé dès lors davantage dans l’histoire… Plus d’une dizaine de productions, dont la vie de Gibran, al-Moutannabi, Socrate…Sans oublier son dada de toujours, lui qui a le sens du religieux, la musique sacrée, avec Et il ressuscita le troisième jour et surtout cette magnifique Sainte Messe donnée en grande piété et pompe en l’an 2000 à l’église Saint-Élie à Antélias.Controversé par certains ténors de la presse sur la qualité de son écriture, vilipendé par certains intellectuels «chichiteux » sur sa teneur de certaines facilités, boudé par un public parfois snob ou simplement versé en « musical » (quoique la comparaison ne s’impose guère) sous prétexte qu’il voyage beaucoup, le spectacle « rahbanien» n’en est pas moins d’une immense popularité. Et âprement défendu par ses nombreux et innombrables fans…Le mot, avec toutes ses finesses, son non-dit, ses zones d’ombre et de lumière, a toujours eu les faveurs de Mansour Rahbani. Ce n’est guère hasard si on l’a croisé en devanture des librairies deux plaquettes de poésie intitulées : Seul je voyage en roi et Moi, l’autre étrange humain.Aujourd’hui, sa pièce Le retour du Phénix est encore à l’affiche. Ce Phenix qui renaît de ses cendres, incontournable mythe d’un Liban sans cesse détruit et reconstruit…Le poète a parlé. Son testament est clair : priorité à la vie, à l’espoir, à la bonté, à l’amour, à la fidélité à une terre. Cette terre qui a pour nom Liban et dont l’auteur-compositeur de Saif 840 a placé le rayonnement au firmament de la gloire.

samedi 10 janvier 2009

Cèdres du Liban, forêt primitive Bible textes anciens, Byblos Hiram, Phéniciens, empereur Hadrien

Cèdres du Liban, forêt primitive Bible textes anciens, Byblos Hiram, Phéniciens, empereur Hadrien: "Souvent mentionné dans la Bible et dans d'autres textes anciens, le Cèdre a joué un rôle important dans la culture, le commerce et les rites de l'Orient ancien. Son exploitation intensive débuta au 3ème millénaire av. J.C., lorsque des cités de la côte, comme Byblos, ont commencé à en faire le commerce avec l'Egypte. Au cours des siècles, son bois faisait partie du tribut imposé aux cités cananéo-phéniciennes par les Assyriens, les Babyloniens ou les Perses. Les Phéniciens eux mêmes s'en servaient largement pour la construction de leurs flottes. Salomon en commanda en grande quantité au roi Hiram de Tyr pour la construction de son temple. Sennachérib, roi d'Assyrie, déclarait même être monté jusqu'aux recoins les plus lointains du Liban et d'y avoir coupé ses plus grands cèdres et ses plus beaux cyprès."

mardi 6 janvier 2009

Convent of Our Lady - Seidnaya (Saidnaya), Syria

A l'attention de notre cher ami Carlos RaiMundo ,portuguais, qui mene une etude sur la Vierge Marie dans la region du Moyen Orient,nous attirons l'attention sur ces liens qui peuvent contenir des elements utiles a sa recherche :

http://www.saidnaya.com/

Convent of Our Lady - Seidnaya (Saidnaya), Syria

http://www.balamand.edu.lb/english/ARPOA.asp?id=7977&fid=270

http://www.saidnayanet.com/en/pictures.htm

http://homepage.mac.com/hobwahid/Syria_Photos/PhotoAlbum102.html


http://www.travel-images.com/syria18.html




Voir aussi sur Notre Dame de l'Attente - Mantara,Maghdouché-Liban-Sud:

http://libanius.blogspot.com/search?updated-max=2008-08-22T23%3A41%3A00%2B03%3A00&max-results=20

mardi 16 décembre 2008

جذور المسيحية في لبنان-



الأحد 09 تشرين الثاني 2008 - السنة 76 - العدد 23526 النهار

النسخة المطبوعة .
بين 1آب -ت1 2008 . بين ت2- ك1 2008
جذورالمسيحية في لبنان -لأنطوان خوري حرب عندمـــا ينطـــق التاريـــخ وعلـــم = Racines du Christianisme au Liban, livre ecrit par A.Kh.Harbالآثـــارالمسيحية
كتبت مي منسى في" النهار"بتاريخ 7-11- 2008ر
الى رصانته العلمية، التاريخية والاركيولوجية، هو كتاب سخي بصوره، ممتع بحكاياته، يأخذك في رحلة سياحية عبر لبنان، منبسطة على كامل اراضيه، واكثر منها تشويقا تلك الرحلة الروحانية الى عمق جذورنا المسيحية في تفرعاتها وانغراسها في هذه التربة من هذا العالم المتوسطي، كما الظروف والمناخات التي نمت فيها المسيحية بدءا من الديانات والمعتقدات الوثنية التي مهدت لها وأرست فيها طقوسا ورموز ومعابد شاهدة على هذا التاريخ القديم، الى ان جاء السيد المسيح مبشرا ومحققا معجزته الاولى في عرس قانا الجليل.في مستهل هذا العمل الشاهق، اعطى المؤلف الكلام للمطران جورج خضر الذي نوه اكثر ما نوه بالمراجع اليونانية واللاتينية التي ذكرها حرب في كتابه والدالة على قيمة العمل واصالته، بحيث لا يترك بقعة انتشرت فيها المسيحية الا يخبر عنها ماضيا وحاضرا، رابطا برؤى صادقة العهود في ما بينها، مدققا بتاريخها وواقعها...المطران جورج خضر وضع في مقدمة الكتاب ختم المفكر والمحلل والعالم في تاريخ الكنيسة منذ بداياتها. من تمعنه في النصوص اعتبر ان هذا الكتاب لا بد ان يترك في نفس قارئه عمق الاثر ويجعله اكثر لصوقا ببلده اذ يأخذه الى تلك الحقيقة المختزنة فيه. في دمجه التاريخ وعلم الاثار في كتاب اقل ما نقول به انه نادر وثمين، وبتنسيق اكاديمي علمي رفيع بين شغف الاكتشاف وواجب التنوير، مضى انطوان خوري حرب في رحلة بطوطية في ارض بلده، جمع بالكلمة والصورة ما منحه التدقيق في الجذور وبلوغ النبع الذي منه اشرقت الديانات حتى استتبت في الدين المسيحي وانتشرت على ساحة الارض اللبنانية، استنادا الى ادلة علمية توفرها المعالم الاثرية للكنائس القديمة التي شيدت بمعظمها على آثار معابد البعل وعشتروت والتي تؤكد ذلك الانتقال المباشر من الوثنية الى المسيحية منذ عهودها الاولى لا سيما في العهد البيزنطي.قبل الدخول الى منبع هذا الكتاب والتعمد في مياهه، هو الحجر العتيق يستوقفنا بمسامه التي ما زالت ترشح بانفاس من سكنوا فيه، هي اشجار الارز الالفية تذكرنا اننا من هنا، هي الكنائس والقرى المترامية في السفوح والوديان والتلال، تشيح عن كاهلنا شبح الخوف من الغد. لكن ما هو هذا الغد، سوى ذلك الزمن الممسوك بخيط الامس؟انطوان خوري حرب حمل تاريخ الوطن واجبا مقدسا في مؤلفاته، من كتابه الاول "اسم لبنان عبر العصور" الى "اصول الشعب اللبناني"، فتاريخ الانتشار اللبناني" و"الكتابة من التصويرية الى مدينة جبيل"، ثم "الديانة اللبنانية القديمة"، الى المعالم الاثرية في الجنوب اللبناني"، و"الموارنة، تاريخ وثوابت" نستدل الى هذه الدرب الواحدة التي اتخذها هذا اللبناني"، العالم في الاثار والتاريخ، امينا على الارث، وفيا للهوية، ثابتا في ايمانه المسيحي والوطني وكلاهما يتخاويان في عقيدة واحدة. فمن مراجع البحث المدونة في آخر الكتاب عربية واجنبية، ومن فهرس الاماكن الجغرافية التي كشف عنها المؤلف يدرك القارىء العمل الجبار الذي قام، متوجا به اعماله السابقة.
التمهيد للمسيحية في ارض لبنان كتاب من ثلاثة اقسام، استهل القسم الاول منه برسالة القديس بولس الى اهل رومة، مدخلا الى الفكر الديني في لبنان القديم، وقبل ان يتطرق المؤلف لموضوع "جذور المسيحية في لبنان"، توقف عند ظاهرة التدين عند اللبنانيين، بدءا بعصور ما قبل التاريخ حتى ظهور المسيحية في نهاية مرحلة التاريخ القديم وذلك في هدف تبيان التهييئات المهمة التي قدمتها ارض لبنان للمسيحية ومهدت لها. من كلمة السيد المسيح "انا ما جئت لابطل بل لأكمل" مشى انطوان خوري حرب في هذا العمل مؤرخا وعالم آثار وموثقا بدقة المعلم وازميل نحات. فمن تنقيباته ان اقدم معالم الفكر الديني في لبنان ظهرت عند انسان انطلياس القديم منذ حوالى اربعين الف سنة، والذي كان يدفن بطقوس قائمة آنذاك على وضع مواد غذائية الى جانبه كما وأدواته الحجرية، ما يشير الى إيمان هذا الانسان القديم بحياة ما بعد الموت. في التركيز على النص والتصميم، نستدل على الثالوث اللبناني – الفينيقي المؤلف من إيل الإله المطلق، وعشتروت الأم الكلية مثالاُ للعنصر الأنثوي، والبعل أدون. توارث اللبنانيون عقيدة عبادة "الإلهة الأم" وطقوسها، من عشتروت أولاً العنصر الأنثوي في الوجود. ومن الصور التي تشكّل هذا الكتاب منحوتة في الحجر للأم المرضعة، وقد التقطها المؤلف في أفقا والى جانبها صورة للسيدة مرم ترضع الطفل، وما يلقننا إياه الدكتور حرب هو أن أبناء أفقا يكرّمون صورة العذراء الأم المرضعة، كما أسلافهم عبدوا عشتروت.. الكتاب الشيّق يمضي بنا الى الأماكن التي بقيت فيها آثار هؤلاء، من أفقا وبعلبك وجبيل، حيث يغدو عالم الآثار راوياً يخبر اسطورة أدون من موته الى قيامته.
المسيح ولبنانالمدخل الى هذا القسم للبابا يوحنا الثاني وما قاله لدى زيارته للبنان عام 1997: "يا رجال ونساء لبنان لقد كان المسيح نفسه أول من نقل الى أسلافكم البشارة الإنجيلية... "ثم بعده ينتقل حرب الى الجليل "موطن الجليلي" وبين تاريخ وجغرافية يعرّفنا على المقوّمات الطبيعية لأرض الجليل وبنية إثنية أهل الجليل. الصور تشل إرث هذا الكتاب الكبير، من حرمون الجبل المقدس والذي عليه تجلّى السيد المسيح أمام تلامذته بطرس ويعقوب ويوحنا، الى مقام النبي شيت وفسيفسائية عن معجزة قانا، وجدرانية السيدة العذراء، ورحلة السيد المسيح الى فينيقية والمدن العشر.يقول هذا الكتاب: "بسبب مجيء السيد المسيح الى صور ثم انتقاله الى صيدا وعبوره المناطق الجنوبية في طريقه الى بحر الجليل، يصح اعتبار ارض الجنوب اللبناني، أرضاً مقدسة شاءها المخلّص ان تكون ذات كرامة خاصة.
انتشار المسيحية في لبنان"اذهبوا الآن وتلمذوا كل الامم، معمدين اياهم باسم الآب والابن والروح القدس".بهذه الوصية للسيد المسيح انطلق الرسل بعد العنصرة ينقلون البشارة الى الأمم، ومع العمل التبشيري بدأ الاضطهاد على يد اليهود أولاً لأنهم كانوا بانتظار مسيح يخلّصهم من التشتت ويحقق لهم ملكوتا أرضياً، في حين ان الديانة الجديدة دعت الى المحبة والتسامح والتحرر من الخطيئة وعدم التمسك بفرائض الناموس اليهودي المتزمت. ثم الرومان المتمسكون بطقوس تقوم على عبادة الآلهة المتعددة الأوصاف والمراتب.الأسلوب مشوّق، يعيد الى الذاكرة تفاصيل منسية من أسماء الذين استشهدوا في الزمن الأول لانتشار المسيحية، كما نستعيد اسم الفيلسوف بورفيريوس الصوري الأصل والذي تصدى بعلمه وفكره للعقيدة المسيحية في القرن الثالث بعد الميلاد. ومن أشهر مؤلفاته "حياة أفلاطون" و"حياة فيتاغور" و"تاريخ الفلسفة" وكتاب "الايساغوجي" الذي يعتبر من أعظم الكتب التي طبعت القرون الوسطى بطابعها.من الدين الى الفلسفة يأخذك هذا المؤرخ المطلع في الزمن، ولا يمر على الأحداث بسطحية، بل تحفر معه وتتلقى من دروس الماضي ما تعيشه اليوم.اسمعه يروي لك قصة هذا الفيلسوف بورفيريوس الذي كان من كبار مناهضي المسيحية، في خمسة عشر مؤلفا بعنوان "ضد المسيحية". وبالرغم من ذلك اعتبره القديس والفيلسوف اغوسطينوس أعلم الفلاسفة، كما تصدى له أسقف صور ميتوديوس، وكتب ضد المرافعات دفاعاً عن المسيحية، الى أن استشهد في اليونان على يد السلطة الرومانية المتمسكة آنذاك بعقيدتها الوثنية.ويتابع انطوان خوري حرب يروي التاريخ هذا مرتكزاً على الوثائق القديمة، منوّراً أمامك انتشار المسيحية في العالم، بالصور والحفريات الأثرية والفسيفسائيات، وأنت بين قراءة ومتعة الألوان تغدو ذاك الإنسان القديم العائد الى دياره بعد ألفي سنة يتفقد الدروب التي عبرها السيد المسيح وأرسى فيها تعاليمه ومعجزاته.ومع تقدمك في الاطلاع على تاريخك في هذا الكتاب الكبير، الواسع وسع التراث، يصبح النص متخاوياً مع هذا الكم الهائل من الآثار. وتتساءل لماذا لبنان الصغير بمساحته، قدّر له أن يكون مهداً للفكر الديني، وأرضاً خصبة للعقائد التي تتالت عليه وتركت في معابدها ومنحوتاتها آثارها حتى مجيء المسيحية التي رسّخت على أنقاض المعابد دين المحبة والتسامح الذي جاء له المسيح مبشّراً؟
مي منسى

vendredi 12 décembre 2008

Les bien aimes de Dieu sont au Liban par Ghazali

قال داود يا رب أرنى أهل محبتك

فقال يا داود أئت جبل لبنان

فإن فيه أربعة عشر نفسا فيهم شبان وفيهم شيوخ وفيهم كهول

فإذا أتيتهم فأقرئهم منى السلام وقل لهم إن ربكم يقرئكم السلام ويقول لكم

ألا تسألون حاجة فإنكم أحبائى وأصفيائى وأوليائى أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم


فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله عز وجل

فلما نظروا إلى داود عليه السلام نهضوا ليتفرقوا عنه

فقال داود إنى رسول الله إليكم جئتكم لأبلغكم رسالة ربكم "


C’est un extrait du livre de Ghazali ( IHYA ‘ OULOUM Eddine ) sur l’amour divin.Il est tres frappant de lire dans une citation attribuee a David et rapportee par Ghazali lui-meme que les veritables amants de Dieu vivent au Mont-Liban.En voici Voici le texte
:
ب المحبة والشوق والأنس والرضا وهو الكتاب السادس من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين
http://www.ghazali.org/ihya/ihya.htm

وأما شواهد الأخبار والآثار فأكثر من أن تحصى فمما اشتهر من دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول:

اللهم إنى أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت ولذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك
حديث أنه كان يقول في دعائه اللهم إنى أسألك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت الحديث أخرجه أحمد والحاكم وتقدم في الدعوات
وقال أبو الدرداء لكعب أخبرني عن أخص آية يعنى في التوراة فقال يقول الله تعالى طال شوق الأبرار إلى لقائي وإني إلى لقائهم لأشد شوقا قال ومكتوب إلى جانبها من طلبنى وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنى
فقال أبو الدرداء أشهد أنى لسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا
وفي أخبار داود عليه السلام إن الله تعالى قال يا داود أبلغ أهل أرضي أنى حبيب لمن أحبنى وجليس لمن جالسنى ومؤنس لمن أنس بذكرى وصاحب لمن صاحبنى ومختار لمن اختارنى ومطيع لمن أطاعنى ما أحبنى عبد أعلم ذلك يقينا من قلبه إلا قبلته لنفسى وأحببته حبا لا يتقدمه أحد من خلقى من طلبنى بالحق وجدنى ومن طلب غيرى لم يجدنى فارفضوا يا أهل الارض ما أنتم عليه من غرورها وهلموا إلى كرامتى ومصاحبتى ومجالستى وائنسوا بي أؤانسكم وأسارع إلى محبتكم فإنى خلقت طينة أحبائى من طينة إبراهيم خليلى وموسى نجي ومحمد صفي وخلقت قلوب المشتاقين من نورى ونعمتها بجلالى
وروى عن بعض السلف أن الله تعالى أوحى إلى بعض الصديقين إن لى عبادا من عبادى يحبونى وأحبهم ويشتاقون إلى وأشتاق إليهم ويذكرونى وأذكرهم وينظرون إلى وأنظر إليهم فأن حذوت طريقهم أحببتك وإن عدلت عنهم مقتك قال يارب وما علامتهم قال يراعون الظلال بالنهار كما يراعى الراعى الشفيق غنمه ويحنون إلى غروب الشمس كما يحن الطائر إلى وكره عند الغروب فإذا جنهم الليل واختلط الظلام وفرشت الفرش ونصبت الأسرة وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا إلى أقدامهم وافترشوا إلى وجوههم وناجونى بكلامى وتملقوا إلى بإنعامى فبين صارخ وباك وبين متأوه وشاك وبين قائم وقاعد وبين راكع وساجد بعينى ما يتحملون من أجلى وبسمعى ما يشتكون من حبى أول ما أعطيهم ثلاث أقذف من نورى في قلوبهم فيخبرون عنى كما أخبر عنهم والثانية لو كانت السموات والأرض وما فيها في موازينهم لاستقللنها لهم والثالثة أقبل بوجهى عليهم فترى من أقبلت عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه
وفي أخبار داود عليه السلام إن الله تعالى أوحى إليه يا داود إلى كم تذكر الجنة ولا تسألنى الشوق إلى
قال يا رب من المشتاقون إليك قال إن المشتاقين إلى الذين صفيتهم من كل كدر ونبهتهم بالحذر وخرقت من قلوبهم إلى خرقا ينظرون إلى وإنى لأحمل قلوبهم بيدى فأضعها على سمائى ثم أدعو نجباء ملائكتى فإذا اجتمعوا سجدوا لى فأقول إنى لم أدعكم لتسجدوا لى ولكنى دعوتكم لأعرض عليكم قلوب المشتاقين إلى وأباهى بكم أهل الشوق إلى فإن قلوبهم لتضيء في سمائي لملائكتى كما تضيء الشمس لأهل الارض يا داود إنى خلقت قلوب المشتاقين من رضوانى ونعمتها بنور وجهى فاتخذتهم لنفسى محدثى وجعلت أبدانهم موضع نظرى إلى الأرض وقطعت من قلوبهم طريقا ينظرون به إلى يزدادون في كل يوم شوقا
قال دود يا رب أرنى أهل محبتك فقال يا داود أئت جبل لبنان فإن فيه أربعة عشر نفسا فيهم شبان وفيهم شيوخ وفيهم كهول فإذا أتيتهم فأقرئهم منى السلام وقل لهم إن ربكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة فإنكم أحبائى وأصفيائى وأوليائى أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم
فأتاهم داود عليه السلام فوجدهم عند عين من العيون يتفكرون في عظمة الله عز وجل فلما نظروا إلى داود عليه السلام
نهضوا ليتفرقوا عنه فقال داود إنى رسول الله إليكم جئتكم لأبلغكم رسالة ربكم
فأقبلوا نحوه وألقوا أسماعهم نحو قوله وألقوا أبصارهم إلى الارض
فقال داود إنى رسول الله إليكم يقرئكم السلام ويقول لكم ألا تسألون حاجة ألا تنادونى أسمع صوتكم وكلامكم فإنكم أحبائى وأصفيائى وأوليائى أفرح لفرحكم وأسارع إلى محبتكم وأنظر إليكم في كل ساعة نظر الوالدة الشفيقة الرفيقة
قال فجرت الدموع على خدودهم
فقال شيخهم سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فاغفر لنا ما قطع قلوبنا عن ذكرك فيما مضى من أعمارنا
وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيدك فامنن علينا بحسن النظر فيما بيننا وبينك
وقال الآخر سبحانك سبحانك نحن عبيدك وبنو عبيد أفنجترىء على الدعاء وقد علمت أنه لا حاجة لنا في شيء من أمورنا فأدم لنا لزوم الطريق إليك وأتمم بذلك المنة علينا
وقال الآخر نحن مقصرون في طلب رضاك فأعنا علينا بجودك
وقال الآخر من نطفة خلقتنا ومننت علينا بالتفكر في عظمتك أفيجترىء على الكلام من هو مشتغل بعظمتك متفكر في جلالك وطلبتنا الدنو من نورك
وقال الآخر كلت ألسنتنا عن دعائك لعظم شأنك وقربك من أوليائك وكثرة منتك على أهل محبتك
وقال الآخر أنت هديت قلوبنا لذكرك فرغتنا للاشتغال بك فاغفر لنا تقصيرنا في شكرك
وقال الآخر قد عرفت حاجتنا إنما هى النظر إلى وجهك
وقال الآخر كيف يجترىء العبد على سيده إذ أمرتنا بالدعاء بجودك فهب لنا نورا نهتدى به في الظلمات من أطباق السموات
وقال آخر ندعوك أن تقبل علينا وتديمه عندنا
وقال الآخر نسألك تمام نعمتك فيما وهبت لنا وتفضلت به علينا
وقال الآخر لا حاجة لنا في شيء من خلقك فامنن علينا بالنظر إلى جمال وجهك
وقال الآخر أسألك من بينهم أن تعمى عينى عن النظر إلى الدنيا وأهلها وقلبى عن الإشتغال بالآخرة
وقال الآخر قد عرفت تباركت وتعاليت أنك تحب أولياءك فامنن علينا باشتغال القلب بك عن كل شيء دونك
فأوحى الله تعالى إلى داود عليه السلام قل لهم قد سمعت كلامكم وأجبتكم إلى ما أحببتم فليفارق كل واحد منكم صاحبه وليتخذ لنفسه سربا فإنى كاشف الحجاب فيما بينى وبينكم حتى تنظروا إلى نورى وجلالى
فقال داود يارب بم نالوا هذا منك قال بحسن الظن والكف عن الدنيا وأهلها والخلوات بي ومناجاتهم لى وإن هذا منزل لا يناله إلى من رفض الدنيا وأهلها ولم يشتغل بشيء من ذكرها وفرغ قلبه لي واختارنى على جميع خلقى فعند ذلك أعطف عليه وأفرغ نفسه وأكشف الحجاب فيما بينى وبينه حتى ينظر إلى نظر الناظر بعينه إلى الشيء وأريه كرامتى في كل ساعة وأقربه من نور وجهى إن مرض مرضته كما تمرض الوالدة الشفيقة ولدها وإن عطش أرويته وأذيقه طعم ذكرى فإذا فعلت ذلك به يا داود عميت نفسه عن الدنيا وأهلها ولم أحببها إليه لا يفتر عن الاشتغال بي يستعجلنى القدوم وأنا أكره أن أميته لأنه موضع نظرى من بين خلقي لا يرى غيرى ولا أرى غيره فلو رأيته يا داود وقد ذابت نفسه ونحل جسمه وتهشمت أعضاؤه وانخلع قلبه إذا سمع بذكرى أباهى به ملائكتى وأهل سمواتى يزداد خوفا وعبادة وعزتي وجلالى يا داود لأقعدنه في الفردوس ولأشفين صدره من النظر إلى حتى يرضى وفوق الرضا

vendredi 28 novembre 2008

liban, PATRIMOINE ET PERENNITE





لبنــان تراثــاً وأزلاً
بقلم الفيلسوف الراحل الدكتور شارل مالك

بحثي في الشؤون الخطيرة دائماً بحثّ كياني. هذا الضرب من البحث يضع الانسان الموجود بالفعل، المصارع الحياة والموت، في مركز النظر لبنــان . البحث الكياني لا يحوم حول الموضوع، ولا يتهرّب منه الى أطرافه وهوامشه. انما يرسو فوراً على الموضوع الموضوع، الذي هو في كلّ شيء الانسان الحيّ المائت. اذ لا قيمة ولا معنى لأيّ شيء الاّ بالمركز الذي يحتلّه، وبالوظيفة التي يشغلها، في كيان الانسان. فانا أرى الانسان الموجود الحيّ، وبالتالي الانسان المائت، وراء كلّ شيء.

بالنسبة لبحث لبنان كيانياً، فهو يتناول لبنان كياناً ومصيراً، كما يتناول لبنان تراثاً وأزلاً. ولقد سبق أن عالجت موضوع لبنان كياناً ومصيراً في السابق، وأنا الآن أبحث في لبنان تراثاً وأزلاً.

ولدى بحث لبنان كياناً ومصيراً، حددت أولاً، خصائص كيانه، وما يتألف منه،
وعينّت الأعمدة العشرة لهذا الكيان : 1- 
1-هذا الجبل الفريد،
2- القرية اللبنانية الفذّة،
3- مركز لبنان السياحي المميّز،
 4- تجارته العالمية الفريدة،
5 - ظاهرة الاغتراب اللبناني بكل ما تعنيه تاريخياً وكيانياً،
6- التواجد المسيحي الاسلامي السمح الرائع،
7 - الحرية الشخصية الكيانية المسؤولة،
8- الانفتاح على العالم في بعدي الزمان والمكان،
9- معنى لبنان الفكري المتواضع في الشرق الأوسط وفي العالم،
10- اسهام لبنان في المعترك الدولي، على محدوديّته وتواضعه.

وقد حددت القيم الأساسية الأخيرة، ثانياً، وهي القيم التي لا مصير للبنان الاّ بوجودها حيّة فاعلة فيه، وعينّت هذه القيم على أنها قيم ستّ :
1- الحقيقة، 
2- العقل، 
3-الانسان،
4-الحرية، 
5-المحبة، 
6-الله.

أما بحثي الآن فينحصر في لبنان تراثاً وأزلاً، أي انه يتعلق بالتراث اللبناني، وما يتألّف منه، وما يفترضه، وما يعنيه، وهل ثمة نظرة أزلية للبنان، ينبع منها ويؤول اليها كيانه ومصيره وتراثه معاً. الاّ أن الأبحاث الأربعة، في الكيان، والمصير، والتراث، والأزل، تتداخل وتتكامل فيما بينها، حتى اذا وفينا هذه الأبحاث حقها، غايةً ومادة، نكون قد اتممنا بحثنا الكياني في الشأن اللبناني. نكون قد عرفنا أنفسنا بالفعل.

التراث في كونه الشيء الموروث عن الجدود، يتضمن بعد الماضي في حدّ ذاته. ولكنّ التراث شيء حي، أي أن الحاضر يحياه ويحفظه، ولولا ذلك لما كان.- أما التراث الذي ينطوي على نفسه، ويقبع في ماضيه، دون أن يتطلع الى مستقبل، فلا يعرف، حتى أهلوه، أنه تراث.

الوجود الحقيقي هو المستقبل الفاعل في الحاضر والمتبنّي التراث. فمن لا مستقبل له يحيى حاضره كأنّه ميت، وليس له، بالتالي، أيّ تراث.- انّ تواصل الزمن، دون تقطّعه وتناوبه، هو المبدأ الذي انطلق منه في تحديد الأفكار والأشياء. أما المستقبل المترامي بأبعاده فهو الحاسم في أمر هذا التواصل. ولذلك فان تطلعي كلّه مستقبلي. من المستقبل استمدّ قوتي وحماستي، فالمستقبل يحيى الحاضر، ويغرف من الماضي ما يحتاج اليه. المستقبل يحسم حياة الحاضر وتراث الماضي في آن معاً.

والتراث الحيّ هو تواصل الزمن الذي يقرّره المستقبل المترامي بأبعاده، وكل ما ليس يؤتي نفعه مستقبلياً، مما عفى عليه الدهر، ليس من التراث في شيء. فالتطلّع الى الماضي وحده نوع من الموت، والعيش في الاوان الحاضر وحده عيش حيواني، لأن الحيوان فقط ليس له بعد ماض ولا بعد مستقبل. أما الانسان، فيعيش أولاً في مستقبله، وثانياً في ماضيه، وثالثاً في حاضره.
من هنا أهمية ما اسمّيه " بالمؤسسة "، التي يتجسّد فيها التراث، ويتطلع الى المستقبل. وأعني         " بالمؤسسة " نمطاً مشتركاً مستقراً من العيش والحكم والتعبير، يرمي الى هدف معين، ويتراضى عليه الناس، وينظّمون وجودهم على أساسه. الحاسم بشأن " المؤسسة " هو المشاركة، والاستقرار، والتراضي، والهدف الواحد، والتنظيم على أساس أصول وقواعد.

" المؤسسة " اذن تجسيد التراث. واذا قلت تراثاً، دون أن تقول " مؤسسة "، فأنت لا تقول شيئاً معّيناً واضحاً. ولا بدّ لك، ان كنت تبحث عن تراثك، ان تبحث أولاً عن مؤسّساته. فلا تراث على الاطلاق في الخيال أو التصّور الفردي، بل أنه يتجسد في المؤسسة الجماعية.-لذلك، فان بحثنا عن التراث اللبناني، هو بحث عن المؤسسات اللبنانية التي ينصب فيها التراث ويكون. حيث لا مؤسسة، فلا تراث، وحيث تراث، فثمّة حتماً مؤسسة.

ينتج عن هذا أن القول باحياء التراث هو القول بتعزيز المؤسسات التراثية، أن بخلق مؤسسات تراثية جديدة، لأنّ كلّ ما هو تراث يكمن في " المؤسسة " وينبع منها.- تأكيدي اذن على أمرين أساسيين :
المستقبل الذي يحسم كل شيء بشأن التراث.
والمؤسسة التي يتجسد فيها التراث، والتي لا مستقبل، أي لا وجود، للتراث الاّ في اطارها.

التراث اللبناني يتجسّد في سبع مؤسسات.

اولاها القرية اللبنانية التي تجسّد تراثاً حياً عظيماً، فهي تحتل مكانها في واصل الزمن، والتطلع الهنيء الواثق الى المستقبل. ويتألف تراث القرية من :
التعلّق الحميم بالأرض، والتراب، والشجرة، والداجن الأليف من الحيوان والأشياء، ثم
التكيّف الكياني على الطبيعة، بفصولها الأربعة، وبما يأتي به كلّ فصل من نفحات خاصة يطبع بها الوجود، وما هي عليه دورة الحياة الطبيعية هذه من بساطة وبراءة.
كذلك يتألّف تراث القرية من التقاليد العائلية الراسخة، والعادات والمآكل والمشارب المتوارثة، والصداقة الخالصة المتواصلة، واللقاءات الحلوة في المناسبات المختلفة، من اجتماعية ودينية وموسمية، والسهرات والغدوات وما تعنيه من سمر وحديث، وصفو معشر، ورفقة ووصال، والأغاني، والرقص، والشعر، والحبّ في القرية، وما ينقله الآباء والأمهات والجدود والجدّات والأعمام والعمّات والأخوال والخالات الى الأبناء والحفداء، مما انتهى اليهم عن آبائهم وأجدادهم، من أشياء الحلال والحرام، ودوافع الحمد وشواهد العار. وكذلك الحكم والأمثال المتداولة النابعة من معين حياتي كثيف سحيق، وهي تنظم الحياة وتنير سبيلها باطمئنان.

القرية تعني الخلق الصامد السليم.- القرية تعني الوجود المرح الطلق المنيع.-القرية تعني الطمأنينة في الكيان.-القرية تعني الركون الى قواعد ثابتة مجرّبة في الحياة.-القرية تعني فرح الحياة العميق.
القرية اللبنانية هي اذن مجتمع تراثي عريق أصيل، في جذوره وتقاليده، وعاداته، مجتمع ثبات ورسوخ وصمود، مجتمع أخلاق، وحرية، وألفة ومحبة، وطلاقة، وتطلع، واحترام.
-أتريدون احياء التراث ؟ اذن عزّزوا القرية اللبنانية، ووطّدوا أركان العيش فيها، عندئذ نهديها الى المستقبل، مؤسسة تراث أصيل.

2- مؤسسة التراث الثانية هي الوساطة، أو أدب المعاملة. وهنا أيضاً نجد أنفسنا حيال تقليد عريق، يرجع الى ألوف السنين. فالتجارة وساطة بين المنتج والمستهلك، أياً كان الانتاج المادي الذي تتوسط بينهما لتصريفه. والتعاطي الثقافي والحضاري وساطة بين الآخذ والمعطي. وكما ان اللبناني توسّط منذ القدم، في نقل البضائع التجارية بين الشعوب، كذلك توسّط في نقل الفكر ونتاج العقل، والنظر في الأشياء والكائنات والماورائيات. وليست بيروت اليوم ذلك المركز الدولي لتبادل السلع التجارية وحسب، بل انها مركز التبادل والمعاملة في ميادين الفكر والروح، وهي النافذة التي يطلّ منه الشرق على الغرب، والغرب على الشرق. ثم ان حركة النقل والترجمة اللبنانية الرائعة من العربية واليها من لغات اوربة، هي أيضاً من ضروب الوساطة. فاللبناني عندما يكتب أو حتى عندما يتكلم، يقع فعل ترجمة في ذهنه من لغة الى أخرى، سواء أوعى ذلك أم لم يعه. أما الكيان اللبناني، فهو كيان وسيط " بين " الكيانات. انه قضاؤه، وقدره، ومصيره. وهذه " البينية " الكيانية أصبحت تراثاً يتجسّد في مؤسسات، مادية تجارية، أو فكرية ثقافية، أو حضارية روحية.

البيوت التجارية الذائعة الصيت ظاهرة وساطة، كذلك المصارف التي تعمل باقدام وبعد نظر في اطار مواثيق الشرف. حتى العقلية اللبنانية هي عقلية " بينية " وسيطة متوسّطة، أكثر انسانيةً وأعمق حضارةً من العقلية البدوية أو العقلية الزراعية، أو حتى العقلية الصناعية، لأن هذه العقليات تتفاعل مع الطبيعة من حيوان ونبات وجماد، أما كمالات العقلية " البينية " فهي في النهاية كمالات انسانية، دبلوماسية، تقوم على أدب المعاملة. فالخلق الوساطي يهدف الى اكتساب الثقة عند الآخرين، والخلوص الى اتفاق يرضى به الفريقان، وذلك عن طريق المفاوضة الكّيسة والاقناع المجرد. واذا كانت الدبلوماسية هي، كما يحدّدها علماؤها، " فن المفاوضة " ( ) ، فيمكن القول ان الفينيقيين الأوائل هم الذين أسّسوا الدبلوماسية في التاريخ، وهي مأثرة لا تقلّ أهمية عن اختراعهم للأبجدية. واعتقد أن حفداءهم اليوم هم كذلك امراء كياسة ومعاملة ودبلوماسية، ان بالمعنى الضيق للكلمة، أو بالمعنى الأوسع.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن أرهفوا أدب الوساطة والمعاملة، وطهّروه، وارفعوه فوق كل شبهة، عندئذ نورثه الى الأجيال القادمة، مؤسسة تراث عزيز.

3 - مؤسسة التراث الثالثة هي اللغة. واللغة كنز حيّ باق تكدّست فيه تجارب الأجيال والقرون. أما اللبنانيون فقد أخذوا اللغة العربية بعد السريانية واليونانية، وقبلها الآرامية، وغيرها مما يتصدر فناء العصور القديمة، وانكبوا على احياء تراثها، فاذا " بالضاد " تكتسب ليونة شطآنهم، وترتدي حلة هذا الجبل الأخضر، فتزداد روعة وتألقاً. لن أذكر ما اشتقّه اللبنانيون في عصور النهضة المتأخرة وقبلها، من ألفاظ، وما اغنوا به اللغة العربية من تعابير، وما استكشفوا من بحارها الواسعة وابعادها الغنية المشرقة، وما حقّقوا من معاجمها، ودقّقوا من فصولها الخالدة نثراً وشعراً. لن اعدّد ما شرحوه من دواوين، وما نشروه من آثار العرب والمسلمين، وما اختزنته مكتبات أديارهم ومناسكهم من لآليء الفقه والشريعة، وحماسات الجاهلية، وصدر الاسلام، ومعلّقات، ونقائض، ورسائل ومقامات، وما عكفوا عليه من معاني الحديث النبوي والسيرة، وأخبار العرب وأيامها، وما ألفوه في المعاني، والبيان، والعروض، والأدب، والأنساب، والتاريخ. ان الكلام ليعجز عن وصف هذا العطاء خلال ما يقرب من ثمانمائة عام، وعن تحديد ما عربه اللبنانيون من روائع الفكر الأوربي، وما قدّموه للعالم من تراث هذا المشرق العربي، بالصورة البهية والحلة القشيبة، وما أحيوه من معاهد العلم، وصروح المعرفة، وصحائف الحرية والنور، في مصر والشام والعراق، وما أدخلوه على فنون الطباعة والتنضيد، وما استهلكوا من جهد في تقويم الهنات اللغوية، ومحو الرطانة التي عصفت باللغة خلال أزمنة الانحطاط. كل ذلك يصعب وصفه وتعداده، وتسمية روّاده من البستانيين الى اليازجيين، الى غيرهم من جهابذة القلم وأساتذة البيان، وأكتفي الآن في هذه العجالة بتقرير واقع، وهو ان اللغة العربية مؤسسة لبنانية يتجسد فيها التراث، وعلينا أن نحب هذه المؤسسة ونعمل على حفظها وصيانتها بكل ما نملك من وسائل.

ان ما كتبناه نثراً ونظماً وشعراً باللغة العربية قلما يجاريه، في حجمه وجودته، أي نتاج آخر في العالم العربي.- وان ما أكدناه بالبحث والدليل الاختباري من شمول هذه اللغة، واتساعها الفائق، وقدرتها على استيعاب العصر، وأي عصر آخر.
لقد جعلنا من اللغة العربية، بما فيها الاسلام، مؤسسة تراثية لبنانية. ولا عبرة بصغار بعض النفوس وتفاهة بعض العقول التي تظن أن المشكلة هي في اللغة، والمشكلة انما تكمن في ذلك الصغار وتلك التفاهة. فاللغة أكبر وأشمل وأعمق من الظنون والأباطيل والانفعالات.

اللغة تعكس تجربة الشعوب التي حملتها وحضنتها. وهي اليوم تعكس تجربة الشعب اللبناني، من روائع الفصحى الى روائع العامية، في ما تعبر به أمثالها – على ما يقول أنيس فريحة – من صور التمزّق الذي حلّ بالنفس اللبنانية عبر القرون، ومن صور الطموح الذي يدفع بالنفس اللبنانية الى أبعد الآفاق.

النفس اللبنانية المتمزقة الطامحة التي امتصّت أرفع التراثات، هي التي تكيّف اللغة وتحملها الخلق المجيد والابداع المترفع السامي، وهي في طموحها الى الأرفع والأمثل، تفتش عن كمال الاتصال بالحضارة ومواكبها الأصيلة والمستجدة. ولذلك فان النفس اللبنانية تسعى الى اعتناق لغات أخرى بالاضافة الى العربية تنهل من معينها الروحي والكياني الحي.

واستدرك هنا فأقول ان لبنان يتعقم أن هو انعزل على صعيد اللغة. أما اذا وثق وثوقاً تاماً من لغته العربية، وعانق أسمى وأرفع ما في الوجود الانساني من قيم، باتقانه لغات الحضارة الحية، وأعني بالدرجة الأولى، الفرنسية، والانكليزية، والألمانية، والروسية، فان آفاق الخلق التراثي التي تنفتح أمامه عندئذ لا حدود لها، وقد لا تنفتح لسواه.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، حمّلوا اللغة العربية، التي بامكانها أن تحمل كل شيء، أعمق القيم والمعاني في الوجود، وصبّوا فيها قيماً ومعاني لم توجد بعد، عندئذ نقدمها الى المستقبل، في لبنان وفي العالم العربي كله، مؤسسة تراث حضاري كريم.

4- مؤسسة التراث الرابعة هي الشخصية المذهبية السمحاء. فمع أن القرية اللبنانية تتميّز عموماً بطابع مستقلّ عن المذاهب الدينية، ومع ان الوساطة اللبنانية تتبع أصولاً وقواعد وتجسد تراثاً مستقلاً تماماً عن دعاتها وعناصرها، سواء أكانوا مسلمين أم دروزاً أم مسيحيّين، ومع أن اللغة العربية هي مؤسسة تراثية مستقلة في حدّ ذاتها، مع كل ذلك أقول، ان كلّ طائفة، سواء في القرية أو في المدينة، تحافظ على شخصيتها وتراثها الخاص، وتغار عليها كل الغيرة، في الطقوس والفرائض؛ وفي الأحوال الشخصية، والحياة العائلية، والشؤون التربوية، والعلائق الاجتماعية، في الأسماء والأزياء، أسماء الأفراد والعائلات، وأزياء رجال الدين، وحتى في الكتب المدرسية، وأساليب التعليم، وحياة المجتمع. ففي هذه جميعاً تتميّز البيئات الطائفية بعضها عن بعض، بتقاليد وعادات ونزعات ذاتية مستقلة.

البيئة السنية تتميّز الى حدّ ما عن البيئة الشيعية، وكلاهما تتميزان عن البيئة الدرزية، والبيئات الثلاث تتميّز عن البيئات المسيحية، سواء أكانت مارونية أو ارثوذكسية، أو ما عدا هاتين من طوائف شرقية أو غربية. فالواضح في الواقع اللبناني أن كل طائفة تتمسك بشخصيتها، وتحتفظ بقيمها الخاصة، وتحاذر أن تطغى عليها أي قيم أخرى. الشخصية المذهبية اذن هي مؤسسة لبنانية يتجسّد فيها كلّ من الطوائف بخصائصه المستقلة، ولذلك يتعيّن علينا، لدى البحث في التراث اللبناني، على أنه شيء حقيقي باق وحيّ، ان نشدد ونؤكد على ما تختصّ به كل طائفة لبنانية من تقاليد وقيم غنية رائعة ومميزة، وان نشدّد ونؤكد في الوقت نفسه على النظام المستقّر في تعايش هذه الطوائف. فاذا كانت الشصخية المذهبية في لبنان شخصية مستقلة، فان صفتها الأساسية هي في كونها شخصية سمحاء تقوم على التعايش، والتعاون، والتسامح الخلاّق في اطار الاحترام المتبادل.-ان لبنان بلد مؤلف من طوائف متعددة، وهذه ا لمجتمعات المذهبية ذات شخصيات مستقلة تحرص عليها كل الحرص.-ان لبنان – كما يحدده جواد بولس – هو نظام فدرالي طائفي، أو اتحاد طائفي ( federation des communautes) . وهذا النظام الاتحادي المتسامح، المنسجم، المتعايش بسلام، الناقض للحقد والتعصب والكراهية والعنصرية الدينية، هو أيضاً جزء لا يتجزأ من التراث اللبناني، يجب المحافظة عليه، والتخطيط المستقبلي لانماء فضائله.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، قوّوا روح الألفة والاحترام المتبادل بين الطوائف في لبنان، بالشعور الذاتي، وبالفكر والقول والفعل، وفي كل مناسبة، عندئذ نترك لأولادنا وأحفادنا مؤسسة تراث اجتماعي مستقر ثابت.

5- مؤسسة التراث الخامسة هي الدولة. وهنا لابدّ من التأكيد أن دستورنا هو أقدم دستور حيّ في الشرق الأدنى، لم تعصف به نوازع التبديل والنقض. ومع أن نظامنا الديموقراطي البرلماني مقتبس من نظام الجمهورية الفرنسية الثالثة، الاّ ّ أن حياتنا السياسية عريقة في الديموقراطية. فالشعب في لبنان هو في نهاية النهايات مصدر السلطة بالفعل. وعند كل قرار سياسي يتعلّق باختيار الشعب لممثليه، سواء في الانتخابات البلدية أو في الانتخابات النيابية أو حتى الانتخابات الرئاسية، يختار الناخب من يشاء بين عدة مرشحين. أما المنافسة السياسية فهي منافسة حرّة وحادّة. وكل هذا يقع بالطبع في اطار التوازن الطائفي الذي يؤلّف هو أيضاً جانباً من التراث. وأما القضاء فهو عريق مستقل منزه، وافر التقاليد، غني المنابع من شرائع العالم المتمدّن. وفي كلّ ظاهرة من حياتنا السياسية والقضائية في لبنان نجد الأثر الواضح للسابقة، والتقليد، والعرف؛ ونحتكم أخيراً الى ما هو في صميم عاداتنا الأصيلة.-ولعلّ الخاصة المميزة للنظام اللبناني بالدرجة الأولى، هي ان الدولة ليست " مؤسسة المؤسسات "، كما هي الحال في كثير من البلدان، بل أن الدولة مؤسسة بين المؤسسات.

وقد يكون في عداد مؤسّساتنا ما هو أقوى وأعظم وأعرق من مؤسسة الحكم. فالنظم، والعهود، والحكومات، تمرّ على مسرح الحياة الوطنية، ثم تتوارى، أما القرية، والشخصية المذهبية، والوساطة، وغيرها من مؤسّسات التراث، فقائمة لا تبرح ولا تزول، وكثيراً ما برهنت هذه المؤسسات أنها أقوى من الدولة، بل أن الدولة سرعان ما تتعرض لخطر الانهيار ان هي دخلت معها في صراع التحدي.

ثم ان هذه المؤسّسات ليست أعضاء في جسم الدولة، بل أن الدولة نفسها عضو يشارك المؤسّسات التراثية الأخرى في الجسم الحضاري اللبناني المتناسق الرائع العجيب. ومن هنا أنّ ردود الفعل التي تريد أن تحمل الدولة مسؤولية كلّ شيء ليست من لبنان وتراثه في شيء. والذين لا يرون في لبنان الاّ مؤسّسة واحدة هي الدولة ينتقدون أو يمتدحون، يعيشون بعقلية غير لبنانية، هي أقرب الى النزعة البيروقراطية البوليسية الكلية، منها الى النزعة الديموقراطية الأصيلة التي شاءت أن تكون الدولة، وهي مؤسّسة خدمة الشعب والتراث، لا أكثر ولا أقل، وأن تكون بنظمها وقوانينها وفروعها المتعددة مؤسسة يتجسد فيها تراثنا السياسي الحيّ الديموقراطي الحرّ.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، لتحقّق الدولة معاني وجودها، في توطيد الأمن والحرّية، في رفع الظلم، في اشاعة العدالة، في تعزيز الخير العام فوق النفع الخاص، ولنساعدها جميعاً كمواطنين أحرار، بتوقّعاتنا المنضبطة، ان تعطي ما تستطيع اعطاءه في نطاقها المحدود، عندئذ نسلّم للمستقبل مؤسسة تراث انساني أصيل.

6- المؤسسة اللبنانية السادسة في عداد مؤسسات التراث، هي المدرسة : المدرسة الابتدائية، والمتوسطة، والثانوية، والمدرسة الجامعية العليا. اني لأسأل عن منشأ التراث فأراه في مدارس لبنان الأولى، تحت السنديانة، في جوار الكنائس والأديار، أو في حلقات المساجد والكتاتيب، حتى تجسّد بعد ذلك في المدارس الخاصة الى يومنا، من دور الحضانة والروضة الى عشرات الثانويات والكلّيات التي نفاخر بها تقدّماً وتنظيماً، وبعضها نشأ منذ قرون. وما برح ينمو ويزدهر ويتحّول الى وسط فكري وثقافي وتربوي، نموذجي في الشرق العربي بأسره.

أما تراثنا الفكري البعيد الأثر والانطلاق، فهو يتجسد في الجامعات. وهنا لا بدّ من الاقرار بفضل المؤسّسات العلمية الأجنبية على تراثنا المدرسي، وكل تهّرب من الاقرار بهذا الفضل هو عقوق ليس من اخلاقنا اللبنانية في شيء. فان المدارس والجامعات ذات المنشأ الوطني أو الأجنبي في لبنان أسهمت معاً في بناء تراث فكري عظيم يدخل في كيان التراث اللبناني بوجه عام. ولا أغالي اذا قلت ان لبنان سيواجه في السنوات العشر القادمة مشكلة التنسيق بين الجامعات القائمة على أرضه، والربط والتطوير في مناهجها، والتقريب فيما بينها على أسس موضوعية بعيدة عن المكابرة والتحزّب والارتجال. وعندها سيكون القرار المتعلق باللغات الأجنبية وانفتاحنا على الثقافات العالمية الحية قراراً حاسماً. فقد سبق، وأشرت، في الحديث على مؤسسة اللغة، الى أن أي انتقاص من الانفتاح اللبناني على التراثات الانسانية الكبرى بلغتها الحية، هو تنازل من جانب لبنان عن مركزه الفذّ، ودعوته الخاصة في الشرق الأدنى، وأضيف هنا أن هذا التنازل هو بمثابة كارثة ليس من المعقول أن يقدم لبنان على انزالها بنفسه، واضيف كذلك ان كل شوفينية في أمور الفكر والروح ليست من تراث لبنان في شيء على الاطلاق، فان لبنان واحد مع هوميروس، وأفلاطون، والكتاب، والاكويني، ودانته، وشكسبير، وغوته، وكانت، ودوستويفسكي، كما انه واحد مع القرآن، وعلي بن أبي طالب، وابن سينا، وابن رشد، والمتنبي، والجاحظ، وابي العلاء.

تراثنا الفكري الجامعي الذي يتعين ان نعمقه أضعافاً مضاعفة عما كان حتى الآن، يجب أن يرمي الى اكتناه الحقيقة التامة، في ميادين الوجود كافة، بالحرية المطلقة والانفتاح التام، بالمناقشة والحوار المسؤول، وبالمقاييس والاحكام العقلية المأثورة والمعترف بها في التاريخ، كل ذلك بقصد الوصول الى خلق عقلي عالمي جديد.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، بثّوا روح الجدّ والمسؤولية والرسالة في المدرسة والجامعة، في صفوف الطلاّب والمعلمين، واربطوا مؤسسة التربية والعقل بأرفع مراكز الخلق والابداع في العالم، في العلم والفكر والفنّ، عندئذ نخلق للأجيال الطالعة مؤسسة تراث مبدع عظيم.

7- المؤسسة اللبنانية السابعة التي تجسد التراث هي الكنيسة. واذا كانت الطوائف اللبنانية جميعاً تتفاعل متعايشة في قلب التراث، في اطار الشخصية المذهبية السمحاء، واذا كان النظام السياسي القائم في لبنان يستند الى هذا التوازن والتعاون الطائفي الذي يؤمن الاستقرار انطلاقاً من الاعتراف بالحقوق السياسية والاجتمتاعية لكل طائفة من الطوائف، فان الكنيسة التي تبدو ذات علاقة بالوجود الطائفي في لبنان، هي بطبيعتها وتراثها مستقلّة تمام الاستقلال عن أيّ شخصية مذهبية، سواء أكانت مسيحية أم غير مسيحية، وسواء أكان ذلك في لبنان أم في أي بلد آخر. فلو زال النظام الطائفي بكامله من لبنان، تبقى مع ذلك الكنيسة مؤسسة تراث حيّ فاعل.

ذلك ان الكنيسة هي " المؤسسة "، بأل التعريف، على الصعيد الانساني، وهي في لبنان المؤسسة التراثية المثلى، نظراً لقدمها وتأصلها واستمرارها، ومسكونية انتمائها. ولو انعمنا النظر في مؤسسات البشر كافة، لرأيناها تنهل من معين الكنيسة وتتأّثر بها حضارياً وتنظيمياً، بدرجات متفاوتة. الكنيسة مستقلّة تماماً عن أيّ نظام اقتصادي أو اجتماعي أو سياسي، وتراثها قائم في حدّ ذاته، بل انه معطى من خارج هذه الأنظمة جميعا.

أما أهمية الكنيسة الأم في التراث اللبناني، فهي انها وجدت في لبنان منذ أن وجدت، ولم تنفصل منذ وجودها، وخلال الألفي سنة من تاريخ وجودها في لبنان، عن مركزيها العالمّيين : القسطنطينية في الشرق، ورومة في الغرب. هذا الاتصال العضوي، الذي لم ينفصم اطلاقاً، بالمركزين الرئيسيين نكاد الاّ نجده في بلد آخر غير لبنان، ليس في الشرق الأدنى وحسب، بل في العالم بأسره.

الكنيسة لا تبتغي شيئاً من الاقتصاد أو الاجتماع أو السياسة، بل أن كل ما تبتغيه هو أن يسمح لها بالوجود والعمل الحرّ، وهي لا تتحمل مسؤولية أيّ قرار سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي، فلديها مسؤولياتها الخاصة، في الحفاظ على الوديعة الغالية التي تسلمتها، وفي تقديم بشراها الى العالم، وفي تعهد بيعتها وصون حريتها. انها تنبه للخطأ، وتنهي عن الظلم، ولكن على المخطئين والظالمين، ومن يقع عليهم فعل الخطأ والظلم، أن يتحمّلوا مسؤولياتهم في الزمان والمكان. فللكنيسة ميدانها الخاص، ومصدر سلطتها هو مصدر آخر مستقل. غايتها انقاذ النفوس من ربقة الشرّ والفساد، واخراج العقول من الظلمة الى النور، أياً كانت الظروف أو الأنظمة التي تعايشها. ان تراث الكنيسة العظيم لا يدانيه أي تراث آخر من صنع البشر، تراث يتصل بألوف الشهداء، والقديسين، والفلاسفة، والمعلمين، والأدباء، والعلماء، والمفكّرين، والفنّانين، وأهل الخير من بناة صروح العلم، ودور التمريض، وملاجيء العجزة والبؤساء والمعذّبين في الأرض، كما يتصل بمواكب لا نهاية لها من المؤمنين بالعدالة، العاملين في اطار المحبة، الساعين الى الخير والصلاح، المنشئين هياكل الايمان والمرسين قواعد السلطان من رجال الدين والدنيا.

ولا يمكنني بعد أن أتصوّر التراث اللبناني بدون الكنيسة، هذه المؤسسة العظمى، في مسكونيتها، وقدمها، ورسوخها، وغناها، وفي كونها أسهمت كبير الاسهام في أن يظّل لبنان مطلاً مشرفاً على أبعد آفاق المعمورة، شرقاً وغرباً.

أتريدون احياء التراث ؟ اذن، صونوا حقّ الكنيسة التام في انماء ذاتها وفقاً لقوانينها وتقاليدها المستقلة، وليشترك بالفعل ابناؤها المؤمنون، بعيداً عن كل سياسة، في استحضار دفق جديد من الروح القدس عليها، عندئذ تقدّم ذاتها في لبنان، كما تقدّم ذاتها في كل مكان، بركة لكل انسان، لأنها مؤسسة تراث زاخر عريق باق الى الأبد.

قررنا، في مطلع هذا البحث، امرين أساسيين :

قررنا أولاً ان ما نسميه تراثنا يجب أن يكون حياً باقياً فينا. لذلك لا يحقّ لنا أن ندعي ارثاً لا نتعهد اليوم بالفعل، حتى ولو نشأ على أرضنا في غياهب الماضي السحيق، فتلك محاباة كاذبة، ومفاخرة في غير موضعها.

وقررنا ثانياً أن التراث الحيّ الباقي لا يكمن في الخيال والتصوّر والادّعاء، بل يتجسد في مؤسسات قائمة تسمى بأسمائها، وقد تبين لنا انها سبع مؤسسات : القرية اللبنانية، الوساطة اللبنانية، الشخصية المذهبية السمحاء، اللغة العربية وتراثها، الدولة، المدرسة، الكنيسة.

والمهّم في هذه جميعاً ليس انها توحي بتأمّلات وأفكار، بل المهّم هو كونها موجودةً بالفعل، حيّة، باقية، مستمرّة. انها تختلف ولا ريب، أصالةً، وتواصلاً، وتأصلاً، وغنى وقوة، ومراتب، وابعاداً، وبتفاوت ما تمثله في الوجود اللبناني، وما تعنيه وما تحتويه، ولكنها هي المؤسسات التراثية الحية الحقيقية التي يتعين انماؤها حاضراً ومستقبلاً.

هنالك مؤسّسات أخرى، كالأحزاب السياسية، والنقابات، والهيئات الاجتماعية، والصحافة، وبعض العائلات اللبنانية، وبعض الجمعيات والتنظيمات الأهلية، وغيرها مما لا مجال الى تعداده، ولكن هذه المؤسّسات لا يمكن أن تقارن عمقاً، واتساعاً، وشمولاً، وبعد أثر، بالمؤسسات التراثية السبع التي ذكرنا. فاذا قلنا " لبنان تراثاً " فنحن نعني هذه المؤسسات السبع بالذات، واذا قلنا باحياء التراث، فعلينا أن نعنى بهذه المؤسسات قبل أيّ شيء آخر.

والآن، ما هو الطابع الذي يطبع هذه المؤسسات التراثية جميعاً ؟ وما هي روحها المتأصّلة فيها ؟ وما هو سرها المكنون ؟انه طابع الحرّية، وروح الاحترام، لأن الحرية المسؤولة تفترض الاحترام.

لبنان التراث هو الحرية والاحترام.

يوم عانى لبنان ما عاناه في الأمم المتحدة لاثبات كرامة الانسان، وحقوقه، وحرّياته الأساسية، في الاعلان العالمي لحقوق الانسان، بصيغته الفريدة الرائعة، كانت أعماق الوجود اللبناني هي التي تنطق بأفواه ممثليه. ان قصة هذه المعاناة لم تكتب بعد، وهي، في خفاياها وأسرارها الكيانية، لن تكتب أبداً.

يبدأ الاعلان العالمي لحقوق الانسان كما يلي : " أما وان الاعتراف بكرامة الانسان المتأصّلة في كيان أعضاء الأسرة البشرية جميعاً، وبحقوقهم المتساوية، التي لا انتزاع لها عنهم، انما هو أساس الحرية والعدل والسلم في العالم..."

وتقول مادته الأولى : " يولد البشر كلهم أحراراً، متساوين، في الكرامة وفي الحقوق، وقد وهبوا عقلاً وضميراً، وعليهم أن يعامل بعضهم بعضاً بروح الاخاء."

والحقّ انه لولا هذه الكرامة وهذه الحقوق، ولولا هذه الحريةوهذا الاخاء، ولولا هذا العقل وهذا الضمير، لما كان لبنان، ولا تمكّن أن يتحدى الأزمنة والعصور حياةً وديمومة.

هذا هو الذي قلناه، وأعلنّاه، وسجّلناه أمام العالم بأسره، مراراً، وهذا ما عملنا على تجسيده أخيراً في هذه النصوص. وأؤكّد لكم ان احتفال العالم كلّ عام، في العاشر من كانون الأول، بذكرى الاعلان العالمي لحقوق الانسان هو احتفال بعيد لبنان. العالم بأسره يعرف الصنيع اللبناني، ويشهد له في هذا اليوم، ونحن لم نجعله بعد، مع الأسف، في طليعة أعيادنا الوطنية الرسمية.-أعود الى الحرية والاحترام، فأقول :

الحرية ليست فكرة أو عاطفة أو خيالاً. بل ان الحرية ليست أيّ شيء، ما لم تتجسّد في الأحرار. الحرية هي الانسان الكائن الحرّ. والانسان الحرّ المسؤول هو أعظم وأهمّ مؤسسة في التراث اللبناني.-ففي قمة التراث اللبناني يوجد الانسان الحرّ، ان هو وجد بالفعل.-الحرّ لا يكذب ولا ينافق.-الحرّ يعرف فضيلة الصمت-.الحرّ لا يغلب على أمره غوغائياً، ولا طموحياً، ولا شهوانياً. أما شهوة الحكم والتسلّط فأبعد ما تكون عنه.-الحقد والنكاية، والبغضاء والنميمة، وصغار النفس، والدس والتآمر في الظلام، كل هذه يفهمها الأحرار تماماً حين تمرّ بهم، لكنهم يمّرون بها دون أن تترك فيهم أيّ أثر.-الحرّ يخلق في كل لحظة – يخلق نفسه حرّاً.-الأحرار يقسون على أنفسهم حتى يتفجر الخلق فيهم تفجيراً.-همّهم أن يرتفعوا الى ملأ الاشراف الخلق، وفي فعل الخلق أن يوجدوا.-وهم اذ يرمقون لحظة الخلق بصبر وطول أناة، يخلقون ان هي جاءت، وان هي لم تجيء، يسجدون ويصلّون.-الأحرار يقبلون الصلب، وفي اليوم الثالث يقومون.

الأحرار لا يسألون عن الموت، ولا يهابون الحياة. يرحّبون بالموت، اذا كان فيه الحياة، واذا اقتضت الحياة الحرّة الشريفة موتاً، فانهم يحيونها.-همّهم أن يبقوا هم الأسياد، ليس على الآخرين، بل على كلّ ظلام وخسّة في نفوسهم.

هل يضبطون أفكارهم، هل ينظّمون تخيلاتهم، هل يكبحون جماح عواطفهم، هل يلجمون ألسنتهم، هل يتحملون آلامهم، هل يقبلون أقدارهم، هل ينتقدون أنفسهم – تلك هموم الأحرار.

الماضي لا يكّبلهم الاّ ما يكونون تائبين. والتوبة الصادقة تحرّرهم حتى من الماضي. تحرّرهم لأنها لا تنبع منهم. تحررّهم لأنها من لدن اللّه.-يقتنصون الوجود لأنّ الوجود وجدهم قبل أن يجدوه. وجدهم وترّبع فيهم، واستقّر، واستوى.

الأحرار لا يحلّلون، ويمحّصون، ويرفضون – الأحرار يعجبون ويحّبون.-الأحرار يقرّون بالأفضال، ويعترفون بالمصادر. الأحرار يعلنون الى من هم مدينون.-اذا عنت الحرية ضرورة السقوط أصبح الحرّ عبداً لما يسقط اليه.

أما الأحرار فيفسّرون حرّيتهم بأنها الابقاء على امكان السقوط، دون الوقوع بالسقوط بالفعل.-الحرّ يعرف تماماً أن الوجود لا يتوقّف عليه، بل على العكس، يعرف ويقّر أن وجوده هو يتوقف على الوجود الحقيقي الموجود.

الأحرار يعيشون في العالم، لكنهم ليسوا من العالم. الحرية قبس متعال آت من فوق.-الأحرار يقرون بما هو فوق، ويعترفون بمن هم متكلون عليه، ولذلك هم أحرار.-الأحرار يعنشون، ويونعون مع الأحرار، دون أن ينسخ بعضهم بعضاً، واذا كان حرّ ما نسخة تامة طبق الأصل عن أي حرّ آخر، فهو عبد.-انها الصداقة، والمعاشرة، والمشاركة، والمحبة، التي تعزّز الحرية في الأحرار.-يفتش الأحرار عن الأحرار في كل زاوية من زوايا الكون، في الزمان وفي المكان، وحين يجد بعضهم بعضاً، أيّاً كانت فوارق اللغة، والعصر، والتراث، والجنس، والدين، فكأنّهم وجدوا اللّه في وجوههم.

الوجود كله يحصر في النهاية في الانسان الشخص الكائن الحرّ. وكل تراث لا ينهض على أحرار، ولا يخلق أحراراً، هو تراث عقيم. الانسان الشخص الحرّ الكائن هو مؤسسة التراث الأولى، وكل مؤسسة أخرى انما تنحدر منه، وتؤول اليه. هو أمل الوجود، وهو قبلة المستقبل. هو الذي يبّرر كلّ ثقافة وكلّ تراث. وما لم تتمكن مؤسساتنا من خلق الانسان الشخص المسؤول، فباطل التبجح بالحرية، وعبث القول بالتراث.

وأخيراً انتقل الى " لبنان، أزلاً. "

لقد خصّ التراث العربي لبنان بأجمل الأوصاف.
ففي الحديث " أن من جبال الجنة أحد، وطور سيناء، ولبنان ."
وفي رواية للطبري عن ابن عباس ان آدم بنى البيت من خمسة أجبل : من طور سيناء، وطور زيتون، ولبنان، والجودي، وبنى قواعده .
وروي عن كعب الأحبار قوله : " لبنان أحد الجبال السبعة التي تحمل العرش يوم القيامة. "

وقد ذكر المؤرّخون العرب قول اللّه لابراهيم الخليل عندما صعد جبل لبنان : " انظر، فما أدرك بصرك فهو مقدّس. "

أما الشعراء العرب، من أمثال المتنبي، وابي نوءاس، والبحتري، والنابغة الشيباني، ونابغة بني ذبيان، وابي تمام، وابن خفاجة الاندلسي، وغيرهم، فقد تغنوا بجمال لبنان، ومنعته، وصموده، ودوامه، وبجباله المعّلقة في السماء، وضيافة أهليه، وتغزّلوا بحسانه، وخمره، وتفاحه، ومائه العليل، وشبّهوه بالبأس والعلاء.

الصديق كالنخل يزهر، ومثل أرز لبنان ينمي. المغرسون في بيت الرب يزهرون في ديار الهنا. ( 
ولعل أروع ما جاء في ذكر لبنان آيات " الكتاب " ، الذي كان الأسبق الى ذكراه بما لا يفوقه غير ذكر اللّه. فقد ذكر لبنان في " الكتاب " 71 مرة، والأرز 74 مرة، وصور 58 مرة، وصيدا 35 مرة، والصيدونيون 14 مرة. هذا ليس بالأمر التافه اذا علمنا ما هو " الكتاب ".

في سفر حزقيال نجد نبوءة قاسيةً جداً على صور، نبوءة تحققت بالفعل في التاريخ، حين سقطت صور من مجد العظمة الى ذلّ الهوان. وسبب هذا الحكم الصارم القاضي هو، كما نقرأ في الكتاب، غنى صور، وترفها، وبطرها، وتجاّريتها، وكبرياؤها، والجشع المادي الذي وقعت فيه، واكتفاؤها في ذاتها بعيداً عن اللّه. " يا ابن البشر، قل لرئيس صور، هكذا قال السيد الرب، ان قلبك قد طمح فقلت : اني اله، وعلى عرش اله جلست في قلب البحار، وانت بشر لا اله، ولكن جعلت قلبك كقلب اله... من كثرة اتجارك امتلأ باطنك جوراً، وخطئت... بكثرة آثامك في ظلم اتّجارك دنّست مقادسك... فلذلك هكذا قال السيد الرب : بما انك جعلت قلبك كقلب اله، لذلك هاءنذا اجلب عليك الغرباء معتزي الأمم، فيجّردون سيوفهم على بهجة حكمتك ويدنسون بهاءك." ( حزقيال، الفصل 028 )

هذا الحكم الرهيب الهائل أطلقه حزقيال على صور، وقد نفذ الحكم تاريخياً بالفعل. وهو ذاته يطلق اليوم، والى الأبد، على كل مادّية، وكل جشع، وكلّ ظلم، وكلّ استكبار، وكلّ اكتفاء ذاتي زائف، وكل " تفشيط "، وكلّ تأليه للانسان دون اللّه الخالق. واذا كان لعصرنا، في العالم كله، صفة مميزة، فهي بالضبط صفة المادّية، والجشع، والظلم، والاستكبار، والاكتفاء الذاتي، والابتعاد عن اللّه، أعني الصفة الصورية القديمة. لذلك فالحكم على صور أصبح حكماً أزلياّ على كل مادّية، وجشع، وجور، واكتفاء ذاتي. وهكذا يفرح لبنان اليوم، بخوف ورعدة، لأن اللّه استخدم وجهاً من وجوه الحياة في لبنان بالذات للحكم على أخطر انحراف روحي معاصر : المادّية، والالحاد، والاكتفاء الانساني.

هذا من حيث استخدام لبنان، أزلياً، للحكم على كل ابتعاد عن اللّه، وكل اكتفاء بالمادة والانسان.

قلت ان لبنان ذكر 71 مرة والأرز 74 مرة. وأهمّ من مجرد ذكر الشيء القرينة والجوّ اللذان يذكر فيهما. فاذا حصرنا بحثنا في لبنان والأرز فقط ( ما عدا الشاهد الأخير )، فالغريب في أمر ذكرهما في الكتاب أنهما لم يذكرا مرة واحدة في قرينة أو مناسبة يشتم منها أيّ نقد أو ادانة أو أيّ قدح أو تحقير. القرينة في معظم الأحيان تعبق بالمحبة والتكبير، والجوّ في معظم الأحيان يوحي الوقار والتفخيم.

دعني أجوز فارى... هذا الجبل الحسن ولبنان. ( تثنية 3 : 25 )

... وجميع آنية بيت غابة لبنان كانت من ذهب خالص لم يكن فيها فضة... ( 3 ملوك 10 : 21 )

غلته في رؤوس الجبال تتموج كلبنان، ويزهر أهل المدن مثل عشب الأرض. ( مزمور 71 : 16 )

مزمور 91 : 13 – 14 )

تروي اشجار الرب أرز لبنان التي غرسها. هناك تعشعش العصافير. ( مزمور 103 : 16 – 17 )

هلمي معي من لبنان، ايتها العروس، معي من لبنان، انظري من رأس امانة، من رأس سنير وحرمون، من مرابض الأسود، من جبال النمور. ( نشيد الانشاد 4 : 8 )

شفتاك يا عروس تقطران شهداً، وتحت لسانك عسل ولبن. ورائحة ثيابك كرائحة لبنان. ( نشيد الانشاد 4 : 11 )

عين جنات، وبئر مياه حيّة، وانهار من لبنان. ( نشيد الانشاد 4 : 15 )

ساقاه عمودا رخام موضوعان على قاعدتين من ابريز، وطلعته كلبنان. هو مختار كالأرز. (نشيد الانشاد 5 : 15 )

ستفرح البرية والقفر وتبتهج البادية وتزهر كالورد. تزهر أزهاراً، وتبتهج ابتهاجاً مع ترنيم. قد اوتيت مجد لبنان، وبهاء الكرمل والشارون، فهم ينظرون مجد الرب وبهاء الهناء. ( اشعيا 35 : 1 – 2 )

قومي استنيري فان نورك قد وافى، ومجد الرب اشرق عليك. ها ان الظلمة تغشى الأرض والديجور يشمل الشعوب. ولكن عليك يشرق الرب ويتراءى عليك مجده. فتسير الأمم في نورك، والملوك في ضياء اشراقك... مجد لبنان يأتي اليك. السرو، والسنديان، والشربين، جميعاً لزينة مقدسي، وامجد  موطيء قدمي. ( اشعيا 60 : 1 – 3 و 13 )

هل يخلو صخر حقلي من ثلج لبنان. أو هل تنشف المياه المنفجرة الباردة الجارية. ( ارميا 18 : 14 )

هكذا قال السيد الرب، ان النسر العظيم، ذا الجناحين العظيمين، الطويل القوادم، الممتلىء ريشاً، الكثير الألوان، قد أتى لبنان، وأخذ ناصية الأرز. ( حزقيال 17 : 3 )

وأكون لاسرائيل ( هنا اسرائيل تعني في العقيدة المسيحية الكنيسة ) كالندى فيزهر كالسوسن، ويمدّ عروقه كلبنان، وتنتشر فروعه، ويكون بهاؤه كالزيتون، ورائحته كلبنان. فيرجع الساكنون في ظله ويحيون بالحنطة ويزهرون كالكرم، ويكون ذكره كخمر لبنان. ( هوشع 14 : 6 – 8 )

قال يسوع للمرأة التي أتت اليه من تخوم صور وصيدا مستغيثةً من أجل ابنتها التي بها شيطان يعذّبها : " يا امرأة، عظيم ايمانك، فليكن لك كما أردت. " ( متى 15 : 28 )
هذه شهادة الكتاب عن لبنان. المهم ما تنطوي عليه هذه الشهادة من معنى وايحاء. ما الذي يعنيه لبنان في الكتاب ؟ وبماذا اقترن اسم لبنان في الكتاب ؟ وما الذي اوحى به لبنان الى الاذهان التي وضعت الكتاب ؟

لقد أوحى لبنان وعنى الجبل الجميل، غابة الأرز " التي غرسها الرب. "

أوحى وعنى الغلة المتمّوجة، أزهار العشب، الشهجد، والعسل، واللبن، والأبريز.

أوحى وعنى الذهب الخالص، والخمر المعتق، والرائحة الزكية.

أوحى وعنى السرو، والسنديان، والزيتون، والشربين، والحنطة، والكرم، والسوسن، والندى.

أوحى وعنى العصافير ومرابض الأسود وجبال النمور.

أوحى وعنى الجنات، والثلج، والأنهار، والمياه الحية، والمياه المنفجرة الباردة الجارية.

أوحى وعنى العروس الجميلة التي فاق جمالها كلّ تصور.

أوحى وعنى البر الصامد لأن " الصديق مثل أرز لبنان ينمي ."

أوحى وعنى " بيت الرب "، " ديار الهنا ."

أوحى البهاء، والمجد، والضياء، والرفعة، والطلعة المشرقة.

أوحى الفرح، والبهجة، والترنيم.

أوحى اشراق الرب.

أوحى النسر العظيم.

أوحى الايمان العظيم.

ولو علمنا ما هو الكتاب، وان وضعه استغرق ألفي سنة، وان هذه الشهادة عن لبنان واحدة فيه غير متقطعة من أوله الى آخره، وانه أكثر الكتب انتشاراً في العالم، ولو دققنا في كثافة هذه الشهادة ونوعيتها ومضمونها – لو فعلنا كل هذا، لاعترانا شعوران غريبان متناقضان. الشعور الأول فرح كبير، لأن هذا الكتاب العظيم يعطي هذه الشهادة الفائقة عن هذا البلد الصغير. والشعور الثاني خجل كياني عميق، لأن ما يعنيه لبنان في " الكتاب " وما يعنيه " الكتاب " بالنسبة للبنان، لا ينطبقان، مع الأسف، على وجوه بعض الواقع في لبنان.

وفي التوتر والمشادة الكئيبين بين ذلك الفرح وهذا الخجل، يقضي اللبناني الفاهم المخلص المسؤول حياته كلها.

لا ريب في أن الأزل هو القديم، ونحن قررنا في البداية الاّ نعكف على الماضي القديم، بل أن نتطلع الى المستقبل الآتي. ولكن المستقبل لا يخلق من العدم. المستقبل يرسمه الأزل. والكتاب يحتلّ بين كتب الأزل مركزاً خاصاً، لذلك فان شهادته ستبقى الى الأبد، وستبقى معها الصورة التي رسمها للبنان. أي ان كل من يقرأ الكتاب، من الآن والى الأبد، سيتأمل في رسمه الأزلي للبنان. نحن في لبنان نعيش في ظلّ ما كتبه الأزل لنا، وما توقعه منا، وما لن ينفك عنا حتى نكونه بالفعل. الأزل اذن ليس حيادياً بالنسبة الينا، ونحن لا نقع خارج حكمه. لقد خصّنا بعناية فريدة. وفرحنا بهذه العناية لا يعادله الاّ شعورنا بحملها الثقيل الملقى على عاتقنا. لكن اللّه لا يكلف نفساً الاّ وسعها.